أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣٣٣المطلب الثّالث: الخطأ والصّواب في الاجتهاد.
ممّا سبق تبيّن أنّ الشّماخيَّ يجوّز الاجتهاد في القطعيّات والأصول، ولكنّه يرى أنّ الحقّ فيها واحد، فإن أصابه المجتهد كان مأجورا، وإن جانبه كان آثما.
ونَسَب للعنبريِّ(1) القول بأنّ كلّ مجتهد مصيب في العقليّات والفروع، كما نسب للجاحظ(2) القول بأنّ المجتهد المخطئ في القطعيّات إذا نظر وعجز عن إدراك الحقّ فهو معذور، ثمّ ردّ عليهما(3)(4).
وتبيّن كذلك أنّ مجال الاجتهاد محصور في الظّني الثّبوت أو الدّلالة، وفيما لم يرد فيه نصّ أو إجماع، وهو ما عبّر عنه الشّماخيُّ بالحادثة التي لا يوجد حكم لها في كتاب الله ولا سنّة ولا إجماع، ولا يكون المخطئ فيها آثما(5).
والعلماء مختلفون تجاه هذا النّوع من المسائل، هل كلّ مجتهد فيها مصيب؟ أم أنّ المصيب فيها واحد؟
وسبب هذا الخلاف هو اختلاف العلماء في مسألة هل لله حكم معيّن في كلّ مسألة، من يصل إليه من المجتهدين يكون مصيبا، ومن لا يصل إليه يكون مخطئا في اجتهاده؟ أم أنّ حكم الله فيها
(1) هو عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري التّميمي البصري، الفقيه والمحدّث المعتزلي ولد سنة 105 هـ، تولّى قضاء البصرة، وتوفّي بها سنة 168 هـ. تنظر ترجمته: الشّيرازي، طبقات الفقهاء، ص (1/ 91)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (9/ 19).
(2) هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء اللّيثي، المشهور بلقب الجاحظ، المتكلّم والأديب واللّغوي المعتزلي، وإليه تنسب الفرقة الجاحظيّة، ولد بالبصرة سنة 163 هـ، وتوفي بها سنة 255 هـ، من آثاره: "البيان والتّبيين"، "الحيوان"، "التّاج". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (11/ 135)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (10/ 273).
(3) اشتهرت نسبة هذين القولين للعنبريّ والجاحظ في كتب الأصول، وقد نقل الشمّاخيُّ هذه الأقوال دون تحقيق؛ إذ إنّ نسبة القول بالإصابة لكلّ مجتهد في القطعيّات للعنبريّ ليست على إطلاقها كما ذكر بعض الأصوليّين، فقد بيّن أبو الحسين البصريُّ أنّ العنبريَّ يصوّب اجتهاد أهل القبلة في القطعيّات دون غيرهم من أصحاب الملل الأخرى، كما أشار القاضي الباقلّاني إلى اختلاف الرّوايات عن العنبري، وبيّن أنّ أشهرها تصوبته لكلّ مجتهد في الدّين تجمعهم الملّة؛ ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ص (4/ 375)؛ البصري، المعتمد، ص (2/ 398)؛ الشّيرازي، اللّمع، 129؛ الغزالي، المستصفى، ص (2/ 194)؛ الآمدي، الإحكام، ص (2/ 487)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 377؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (4/ 524)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 434).
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 506.
(5) الشّماخي، المصدر نفسه، 509.