أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣٣٥وذكر الشّماخيُّ اختلاف أصحاب هذا المذهب في المخطئ في اجتهاده هل يكون آثما أم لا؟ وهل نصّب الله على الحكم المجتهَد في بيانه دليلا قطعيّا أم ظاهرا؟
- فذهب الجمهور(1) ومعهم الشّماخيُّ(2) إلى أنّ المصيب واحد، والإثم عنه مرفوع، و أنّ لله تعالى في النّازلة حكما معيّنا، وأنّه نصّب عليه دليلا ظاهرا لا قطعيّا، ونَسب هذا القول للشّافعيّ وغيره.
وبهذا الرّأي قال جمهور الإباضيّة(3).
- وذهب قوم إلى أنّه لا دليل على الحكم المجتهَد في بيان حكمه، بل هو كالدّفين فمن عثر عليه فهو المصيب اتّفاقا وله أجران، ومن أخطأه فله أجر اجتهاده.
- وقال بعض دليله قطعيٌّ، لكنّ الإثم محطوط عن المخطئ؛ لغموض الدّليل وخفائه، وهو مأجور لذلك، وذهب آخرون إلى أنّ غير مأجور، ويحطّ عنه الإثم تخفيفا.
- وذهب فريق إلى أنّ لله حكما معيّنا، ودليله قطعيّ، فيكون المخطئ في إصابته آثما كسائر القطعيّات؛ لأنّ الحقّ واحد، ونسب الشّماخيُّ هذا القول لبشر المريسي(4) وابن عليّة(5) وأبو بكر الأصمّ(6)، وأحمد بن الحسين الطّرابلسي من الإباضيّة(7)، وبيّن أنّه قول نفاة القياس؛
(1) ينظر: عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، ص (4/ 26)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (4/ 537)؛ السبكي، الإبهاج شرح المنهاج، ص (3/ 259)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 436)؛ عبد المجيد السّوسوه، دراسات في الاجتهاد، 53.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 507.
(3) ذهب جمهور الإباضيّة إلى القول بالتّخطئة، وخالفهم السّالميّ فقال بالتّصويب، ونَسَبَ ذلك لابن بركة والوارجلاني، ولكنّه أخطأ في هذه النّسبة فقد صرّح الوارجلاني، في كتابه الدّليل والبرهان بأنّ: «مذهب أهل الدّعوة أنّ الحقّ في واحد»، أمّا ابن بركة فله قول يوحي بالتّصويب، وقول صريح بالتّخطئة، والرّاجح قوله بالتّخطئة. ينظر: الوارجلاني، الدليل والبرهان، ص (2/ 48)؛ الشّماخي، المصدر السابق، 507؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 407)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 795.
(4) هو أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي العدوي بالولاء، فقيه معتزلي عارف بالفلسفة، وإليه تنسب الطائفة المريسيّة القائلة بالإرجاء، توفي سنة 218 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (10/ 179)؛ الزركلي، الأعلام، ص (4/ 134).
(5) هو أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن عليّة الأسدي بالولاء البصري، من حفّاظ الحديث، ولد بالكوفة سنة 110 هـ، وتوفي ببغداد سنة 193 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (9/ 112)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (2/ 441).
(6) هو أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم، المعروف بأبي بكر الأصم، أحد أعلام المعتزلة في القرن الثّاني الهجري، توفي سنة 201 هـ، من آثاره: "الحجّة والرّسل"، "خلق القرآن"، "الحركات". تنظر ترجمته: الذّهبي، المصدر السابق، ص (9/ 413)؛ الزّركلي، المرجع السابق، ص (3/ 323).
(7) أحمد بن الحسين الأطرابلسي، رجل انشقّ عن الإباضيّة، وتفرّد بآراء شاذّة كانت سببا لبراءة الإباضيّة منه. ينظر: الشماخي، السّير، ص (1/ 223، 262)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 151.