أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٣٣٦

لأنّه لا مجال للظنّ في الأحكام عندهم، فمن أخطأ الدّليل فهو آثم، وما ليس فيه دليل فحكمه البراءة الأصليّة.

ثمّ ردّ على هذا الرّأي بقوله: «وليس بشيء؛ لأنّ الصّحابة -رضوان الله عليهم- شاع بينهم الاختلاف في المسائل الاجتهاديّة، ولم يُنقل إلينا نكير ولا تأثيم من بعضهم البعض»(1).

التّرجيح:

بعد بيان اختلاف العلماء في موضوع تصوبة وتخطئة المجتهد، تجدر الملاحظة أنّ هذا الاختلاف لا يعدو أن يكون خلافا نظريّا؛ فلم يظهر له أيّ أثر عمليّ على الفقه الإسلامي؛ فالاجتهادات بكلّ ما فيها من اختلاف فإنّ نسبتتها إلى الشّريعة الإسلاميّة صحيحة ومعتبرة.

ولكن يظهر أنّ مذهب الجمهور القائلين بأنّ المصيب واحد وأنّ الإثم مرفوع عن المخطئ هو الرّاجح؛ لاستناده للحديث الصّحيح الصّريح في الموضوع(2)، واعتضاده بإجماع الصّحابة الكرام(3)، فالحقّ لا يتعدّد بتعدّد المجتهدين، ولله في كلّ واقعة حكما معيّنا قبل الاجتهاد، وقد نصّب لذلك أمارة، وعلى المجتهد أن يتحرّى الوصول إلى ذلك الحكم، فإن أصابه فقد أصاب الحقّ، وإن أصابه بعد بذل جهده فهو مخطئ ولا إثم عليه، ويؤجر على اجتهاده(4).

(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 507؛ 509.

(2) استدلّوا بقول النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»؛ متّفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث رقم: 7352، ص (9/ 108)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب، حديث رقم: 4584، ص (5/ 131).

(3) استدلّوا بعدّة أثار من أقوال الصّحابة، من ذلك قول أبي بكر الصّديق -رضي الله عن هـ- لما سئل عن الكلالة فقال: «إني أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأ فمنّي ومن الشّيطان والله منه بريء»؛ ينظر: ابن حجر، التّلخيص الحبير، ص (6/ 18)؛ علي بن حسام الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، دط، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، لبنان، 1989 م، ص (11/ 115).

(4) ينظر: الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (2/ 1105)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 807؛ عبد المجيد السّوسوه، دراسات في الاجتهاد، 59 - 60