أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣٣٨واستدلّ على جواز ذلك بقوله تعالى: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾(1).
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي»(2)(3).
والرّاجح ما ذهب إليه الجمهور من جواز الاجتهاد للنّبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لثبوت وقوع ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - في مواقع كثيرة، وكان الوحي يسدّده ويعصمه عن الخطأ.
واختلف العلماء أيضا في مدى إمكانيّة وقوع الخطأ في اجتهاده - صلى الله عليه وسلم -.
فذهب الجمهور إلى إمكان وقوع ذلك، ولكنّه لا يقرّ عليه، بل ينزل الوحي لتسديده وتصويبه؛ واستدلّوا على ذلك بالآية السّابقة.
وذهب البعض إلى عدم إمكان وقوع الخطأ في اجتهاده مطلقا؛ واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾(4).
حكى الشّماخيُّ اختلاف العلماء دون أن يصرّح برأيه في ذلك(5).
الفرع الثّاني: الاجتهاد في زمن النّبي - صلى الله عليه وسلم -.
اتّفق الأصوليّون على مشروعيّة الاجتهاد بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -، واختلفوا في جوازه في حياته على مذاهب.
ذكر الشّماخيُّ خلاف العلماء في هذه المسألة، واختار مذهب الجمهور الذي يقضي بجواز الاجتهاد في عصره - صلى الله عليه وسلم - للغائب والحاضر، ووقوع ذلك فعلا، فقال: «واختلف أيضا في جواز التّعبّد بالقياس، والاجتهاد في زمانه، والمختار الجواز»(6).
(1) سورة التوبة، الآية: 34.
(2) متّفق عليه واللّفظ للبخاري؛ البخاري، الصّحيح، كتاب التّمنّي، باب قول النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو استقبلت … »، حديث رقم: 1651، ص (2/ 159)؛ مسلم، الصّحيح، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، حديث رقم: 3003، ص (4/ 37).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 512 - 513.
(4) سورة النّساء، الآية: 65.
(5) الشّماخي، المصدر السابق، 513 - 514.
(6) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 514.