أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣٤١ولم يذكر الشّماخيُّ أدلّة أيّ فريق، واكتفى فقط بالإشارة إلى وجود الخلاف في المسألة، ثمّ رجّح مذهب القائلين بالجواز(1).
واحتجّ الجمهور على قولهم بالجواز، بأنّ العقل لا يحيل وقوع ذلك، كما استدلّوا بقول النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتّخذ النّاس رءوسا جهّالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا»(2).
وقد ناقش المانعون أدلّة الجمهور، واستدلّوا على قولهم بمنع خلوّ العصر من المجتهدين، بكون الاجتهاد طريقا لمعرفة الأحكام الشّرعيّة، فيلزم من القول بخلوّ العصر من المجتهدين تعطيل الأحكام الشّرعية وهذا محال، كما قالوا بأنّ الاجتهاد فرض كفاية، فإن تُرك كانت الأمّة آثمة بمجموعها.
واستندوا لحديث النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك»(3).
- التّرجيح:
نتج عن القول بجواز خلوّ العصر من المجتهدين دعوة لسدّ باب الاجتهاد؛ خشية أن يلج إليه من ليس أهلا له، وهذا بداية من القرن الرّابع الهجري، واستحكم في القرن الثّامن الهجري، فاعتكف المتأخّرون على نتاج الأوّلين دون سعي للاجتهاد، وهذا مع وجود من له الأهليّة والقدرة على ذلك.
وكان الأَوْلى تنظيم الاجتهاد من خلال الاجتهاد الجماعي لا الدّعوة إلى غلق بابه، والحقّ أنّ باب الاجتهاد مفتوح إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها متى توفّرت في المجتهد شروط الاجتهاد؛
(1) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 523؛ السالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 441).
(2) متّفق عليه، واللّفظ للبخاري؛ البخاري، الصّحيح، كتاب العلم، باب كيف يُقبض العلم، حديث رقم: 100، ص (1/ 32)؛ مسلم، الصّحيح، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمان، حديث رقم: 6971، ص (8/ 60).
(3) متّفق عليه واللّفظ لمسلم؛ البخاري، الصّحيح، كتاب المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النّبي - صلى الله عليه وسلم - آية، حيث رقم: 7311، ص (9/ 101)؛ مسلم، الصّحيح، كتاب الإمارة، باب قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال طائفة … »، حديث رقم: 5059، ص (6/ 52).