أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٣٤٥

وذكر أنّ ابن بركة يجيز تقليد الصّحابة مطلقا، ونقل نصّ قوله في ذلك(1)، ثم فسّر مراده بأنّ الصّحابة إذا اختلفوا جاز للمجتهد أن يتخيّر بين أقوالهم، ولم يجز له إحداث قول آخر، أمّا غير الصّحابة فلا يجوز للمجتهد تقليدهم(2).

واعترض السّالميُّ على التّفسير الذي ذكره الشّماخيُّ لكلام ابن بركة، واختار عدم جواز تقليد المجتهد لغيره مطلقا، ولو كان أعلم منه، أو كان صحابيّا.

ثمّ بيّن أنّ مراد ابن بركة من قوله هو اعتبار إجماع الصّحابة وإن كان سكوتيّا، وأمّا قول الصّحابيّ الواحد فليس عنده بحجّة(3).

وقد اختلف الأصوليوّن(4) في هذه المسألة تبعا لاختلافهم في حجّيّة قول الصّحابيّ، فمن اعتبر قوله حجّة أجاز تقليده، ومن لم يعتبره كذلك قال بعدم جواز تقليده.

وقد سبق بيان أنّ رأي الشّماخيِّ هو عدم اعتبار قول الصّحابيِّ حجّة(5)؛ لذا يُستغرب تجويزه تقليد المجتهد لهم، ويبدو أنّه يجوّز ذلك فيما أجمعوا عليه.

ثانيا: تقيّد المقلّد بمذهب معيّن.

تقدّم أنّ الشّماخيَّ لا يجوّز للمجتهد أن يقلّد أحدا عدا الصّحابة، أمّا غير المجتهد (المقلّد) فيرى أنّه مُلزم بتقليد عالم، سواء كان من الصّحابة أو من غيرهم(6)، واشترط في العالم أن يكون عدلا.

وبيّن أنّ المقلّد إن كان على نصيب من العلم يمكّنه من إدراك الرّاجح من أقوال العلماء، فلا يجوز له أن يقلّد، حتّى يعلم صحّة اجتهاد المجتهد بدليله(7)(8).

(1) ابن بركة، الجامع، ص (1/ 22).

(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 521.

(3) السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 425 - 426).

(4) ينظر تفصيل أقوال العلماء في هذه المسألة في المصادر الآتية: الآمدي، الإحكام، ص (4/ 211)؛ ابن القيّم، إعلام الموقّعين، ص (4/ 438)؛ الشّاطبي، الموافقات، ص (5/ 67)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (4/ 570)؛ ابن النّجار، الكوكب المنير، ص (4/ 533)؛ إسماعيل محمّد علي عبد الرحمن، القول السّديد في مباحث التّقليد، بحث مرقون، 29.

(5) تنظر الصّفحة 213 من البحث.

(6) القول بوجوب تقليد العامّي للمجتهد هو مذهب أكثر الأصوليّين. ينظر: إسماعيل محمّد علي عبد الرّحمن، القول السّديد في مباحث التّقليد، 46.

(7) الشّماخي، المصدر السابق، 521 - 522.

(8) نسب الآمديُّ هذا القول لبعض المعتزلة البغداديّين، واعترض على هذا الرّأي؛ ينظر: الآمدي، المصدر السابق، ص (4/ 234).