أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣٤٨المبحث الثّالث: التعارض والتّرجيح.
تمهيد: بيان حقيقة التّعارض بين الأدلّة، وأسبابه.
ليس المراد من تعارض الأدلّة التّعارض الحقيقيّ الذي يُفضي إلى تناقضها، كأن يقتضي دليل شرعيّ حكما في مسألة، ويقتضي دليل آخر حكما مغايرا لها.
فالتّعارض بهذا المعنى لا يُتصوّر وقوعه في الأدلّة الشّرعيّة؛ لأنّه يؤدّي إلى التّناقض والتّجهيل، وهذا لا يجوز في الشّريعة الإسلاميّة، كما أنّه محال في حقّ المشرّع الحكيم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾(1)، وغيرها من الآيات التي في هذا المعنى(2).
وعليه فلا وجود للتّعارض الحقيقيّ في الأدلّة الشّرعيّة، وإنّما قد يظهر التّعارض في أنظار المجتهدين، من خلال تمانع دليلين في محلّ بأن يقتضي أحدهما إيجابه والآخر تحريمه، وليس هذا التّعارض إلّا ظاهريّا؛ لأنّه يزول بعد النّظر بأحد طرق دفع التّعارض التي ذكرها الأصوليّون(3).
قال صاحب الإبهاج: «اعلم أنّ تعارض الأخبار إنما يقع بالنسبة إلى ظن المجتهد أو بما يحصل من خلل بسبب الرواة وأما التعارض في نفس الأمر بين حديثين صح صدورهما عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - فهو أمر معاذ الله أن يقع»(4).
وللتّعارض الظّاهريِّ أسباب متعدّدة، فالأدلّة ليست على درجة واحدة من حيث الثّبوت والدّلالة، فمنها ما هو قطعيّ الثّبوت وما هو ظنّيّ الثّبوت، ومنها ما هو قطعيّ الدّلالة وما هو ظنّي الدّلالة، كما يرجع التّعارض إلى قصور إدراك النّاظر لاختلاف الرّواة من حيث الحفظ والأداء، وإمّا إلى دلالات الألفاظ، وإمّا إلى الجهل بالنّاسخ والمنسوخ، أو الجهل بتغيّر الأحوال. وقد ذكر العلماء تلك الأسباب وفصّلوا فيها القول(5).
(1) سورة النّساء، الآية: 82.
(2) شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 535؛ زيدان، الوجيز، 386؛ محمّد علي فركوس، الإنارة، شرح كتاب الإشارة، ط 1، دار الموقع، الجزائر العاصمة: الجزائر، 1430 هـ-2009 م، 104.
(3) الخضري، أصول الفقه، 358.
(4) السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، ص (3/ 218).
(5) ينظر: فركوس، المرجع السابق، 104؛ محمّد الحفناوي، التعارض والتّرجيح عند الأصوليّين وأثرهما في الفقه الإسلامي، ط 2، دار الوفاء، القاهرة، مصر، 1408 هـ؛1987 م، 20؛ بنيونس الولي، ضوابط التّرجيح عند وقوع التّعارض لدى الأصوليّين، ط 1، مكتبة أضواء السّلف، الرياض، السّعودية، 1425 هـ-2004 م، 145.