أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣٥١الفرع الثّاني: محلّ التّرجيح.
يقصد بمحلّ التّرجيح المكان أو المجال الذي يقع فيه.
وقد ذهب الشّماخيُّ مذهب الجمهور(1) في بيانه مجال التّرجيح، حيث ذكر أنّه لا يكون إلّا بين الدّليلين الظنّيين، وأنّه لا يُتصوّر فيما لا دلالة له على الحكم أصلا، ولا بين الدّليلين القطعيين، ولا بين علّتين قطعيّتين، ولا بين معلوم وظنّي.
وبيّن أنّ المعلومين إذا تعارضا، فالآخر ناسخ للأوّل، وإن أشكل التّاريخ، وعجزنا عن دليل آخر توقّفنا، وإذا تعارضت أمارتان وهما الدّليلان الظّنّيان وجب العمل بأقواهما.
ثمّ ذكر أنّ التّعارض يقع إمّا بين منقولين، أو بين معقولين كقياسين مثلا، أو بين منقول ومعقول كالتّعارض بين القياس والنّص.
كما بيّن أنّه لا يتصوّر وقوع التّعارض بين منقولين خبرين؛ لأنّه يلزم من ذلك أن يكون أحدهما كذب، والكذب محال على الله ورسوله، وإنّما يقع التّعارض في حكمين، من أمر ونهي وغيرهما(2).
المطلب الثّاني: مناهج الأصوليّين في درء التّعارض.
للعلماء في دفع التّعارض الظّاهري مناهج، وهو ما يُطلق عليه بطرق دفع التّعارض وهي: النّسخ، الجمع، التّرجيح، التّساقط أو التّوقّف.
والاختلاف حاصل بين الحنفيّة وجمهور الأصوليّين في ترتيب هذه الطّرق.
ومنهج الحنفيّة بالجملة هو تقديم النّسخ، فإن تعذّرت معرفة المتقدّم من المتأخّر، يُلجَأ إلى التّرجيح، فإن تعذّر يُصار إلى الجمع، فإن امتنع يَحكم المجتهدُ حينئذ بسقوط الدّليلين المتعارضين.
(1) ينظر: العضد، شرح مختصر المنتهى الأصولي، 394؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 458)؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 283).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 605، 606.