أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣٥٢أمّا جمهور الأصوليّين فاتّفقوا على تقديم الجمع على سائر المرجّحات، ولكنّ اختلفوا بعد ذلك في تقديم التّرجيح على النّسخ أو العكس كالآتي:
- فذهب أكثر الأصوليّين(1) إلى أنّ التّرجيح مقدّم على النّسخ عند تعذّر الجمع.
- واختار جمهور المحدّثين وبعض الأصوليّين(2) تقديم النّسخ على التّرجيح(3).
وقد اختار الشّماخيُّ هذا المذهب الأخير، فاعتبر أنّ الجمع بين الأدلّة مقدّم في حال الإمكان، فإن لم يمكن يصار إلى النّسخ بالبحث عن تاريخ ورودهما، فإذا عُلم المتأخر فإنّه يكون ناسخا للآخر، فإن تعذّر النّسخ بأن جُهل المتأخّر من الدّليلين، عمد المجتهد إلى التّرجيح. وفي ذلك يقول: «وإن كان في حُكمين من أمر ونهي وغيرهما، فإن أمكن الجمع حُمل عليه، وإلّا فالمتأخّر ناسخ، وإن جُهل التّاريخ صرنا إلى التّرجيح»(4).
ولم يقل بتساقط الأدلّة عند عدم إمكان الجمع والنّسخ والتّرجيح، ومعناه ترك العمل بالدّليلين معا والعمل بغيرهما من الأدلّة، وإنّما اختار القول بالوقف، أو اختيار الأحوط، حيث قال: «وإن أشكل التّاريخ وعجزنا عن دليل آخر توقّفنا أو تخيّرنا؛ لأنّه ليس أحدهما أولى من الآخر»(5).
وذكر في موضع آخر أنّ المجتهد إذا تعارضت عليه أمارتان، وعجز عن إدراك الحقّ، وجب عليه التّوقّف والأخذ بالأحوط، أو تقليد غيره من المجتهدين(6).
ونَسَب الشمّاخيُّ والسّالمي(7) لابن بركة القول بالتّخيير في هذه الحالة، وذلك كالتّخيير بين خصال الكفّارة(8).
(1) ينظر: الإسنوي، نهاية السّول، ص (4/ 449)؛ الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (2/ 1183)؛ بنيونس الولي، ضوابط التّرجيح عند وقوع التّعارض لدى الأصوليّين، صفحات 207 - 237.
(2) ممّن أخذ بهذا الترتيب من الأصوليّين إمام الحرمين الجويني، والباجي، والشّيرازي، والغزالي، وابن قدامة وغيرهم؛ ينظر: الجويني، البرهان، ص (2/ 752)؛ الباجي، الإشارة، 198؛ الشّيرازي، اللّمع، 83؛ الغزالي، المستصفى، ص (2/ 248)؛ ابن قدامة، روضة النّاظر، 208.
(3) ينظر تفصيل مناهج الأصوليّين في درء التّعارض: بنيونس الولي، ضوابط التّرجيح عند وقوع التّعارض لدى الأصوليّين، صفحات 207 - 237.
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 606.
(5) الشّماخي، المصدر نفسه، 606.
(6) الشّماخي، المصدر نفسه، 517.
(7) السالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 281).
(8) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 517.