أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٣٥٣

ولكن ابن بركة نصّ في جامعه على تساقط الدّليلين عند امتناع النّسخ والتّرجيح والجمع، ولم يذكر التّخيير.

وذكر من أمثلة تساقط الأدلّة نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الشّرب من فم السّقاء، وورود نصّ آخر يفيد شربه - صلى الله عليه وسلم - منه، حيث بيّن انّ الحكم في هذه الحالة هو تساقطهما والرّجوع إلى الحكم الأصلي وهو إباحة الأكل والشّرب(1).

وذكر السّالميُّ أنّ الأصوليّين اختلفوا عند عدم إمكان دفع التّعارض بين الأدلّة بالنّسخ أو الجمع أو التّرجيح، فمنهم من قال بتساقطهما، ومنهم من قال بالتّوقّف، وذهب البعض إلى القول بالتّخيير، ثم اختار القول بالتّساقط، ولكنّه بيّن أنّ الأقرب إلى طريق السّلامة هو التّوقّف(2).

والواقع أنّ القول بالتّوقف أو التّساقط إنّما هو مجرّد افتراض، فهو كلام نظريّ محض لم يظهر له أيّ أثر عمليّ على الجانب الفقهي، وفي ذلك يقول الشّاطبي: «لا تجد البتّة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف»(3).

ويكون الشّماخيُّ بهذا التّرتيب الذي اختاره لطرق دفع التّعارض مخالفا لرأي جمهور الإباضيّة، الذين يقدّمون النّسخ على سائر المرجّحات، يليه الجمع، ثمّ التّرجيح.

فابن بركة ذكر في جامعه أنّ المقدّم عند التّعارض النّسخ، فإن لم يُعلم المتأخر عُدل إلى الجمع، فإن تعذّر يُصار على التّرجيح(4)، وبهذا التّرتيب أخذ السّالميّ أيضا، حيث قال ما نصّه: «اعلم أنه لا يصحّ تعارض الدّليلين في نفس الأمر، بل لا بدّ وأن يكون أحدهما ناسخا، والآخر منسوخا، أو نحو ذلك، فإذا لم نعلم الوجه الذي يرتفع به وجه التّعارض بين الأدلّة وقع في ذهننا أنّ تلك الأدلّة

(1) ينظر: ابن بركة، الجامع، ص (1/ 23)؛ جابر السّعدي، ابن برركة وآراؤه الأصوليّة، 141، 142.

(2) السالميّ، المصدر السابق، ص (2/ 281).

(3) الشاطبي، الموافقات، ص (5/ 341).

(4) ابن بركة، الجامع، ص (2/ 56).