أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣٥٤متعارضة، فاحتجنا إلى العمل بواحد منها حيث لم يمكن الجمع بين المتعارضين، فإن كان في أحدهما مُرجِّح يقوى به على معارضه وجب علينا الأخذ بالرّاجح، وطرح المرجوح»(1).
كما أنّ الحنفيّة يقدّمون النّسخ على طرق دفع التّعارض الأخرى، يليه التّرجيح، ثمّ الجمع، ثمّ التّساقط(2).
ولعلّ الرّاجح ما ذهب إليه جمهور الإباضيّة والحنفيّة من تقديم النّسخ على طرق دفع التّعارض الأخرى؛ لأنّه إن ثبت بالنّص نسخ أحد الدّليلين المتعارضين، فإنّ محاولة الجمع والتّرجيح بينهما بعد ذلك هو إعطاء حجّية لدليل انتهت حجّيته، ويصلح تقديم الجمع على النّسخ إن كان ثابتا بالطّرق الاحتمالية(3).
كما يعتبر تقديم جمهور الأصوليّين والإباضيّة للجمع على التّرجيح أرجح مما ذهب إليه الحنفيّة من القول بأنّ الترجيح مقدّم؛ لأنّ الجمع هو إعمال للدّليلين معا، أمّا التّرجيح فهو إعمال لدليل واحد فقط.
ويعدّ السّالميُّ خير من فصّل مباحث التّعارض والتّرجيح من بين أصوليّي الإباضيّة(4).
ولم يفصّل الشّماخيُّ القول في طرق درء التّعارض ما عدا التّرجيح والنّسخ، أمّا الجمع بين الأدلّة فلم يتعرّض لشروطه وأنواعه كما فعل بعض الأصوليّين.
وتناول أنواع التّرجيح بين الأدلّة وصوره بالتّفصيل، كما خصّص بابا كاملا من كتابه لبيان مباحث النّسخ.
وفيما سيأتي سأتعرّض لبيان الشّماخيِّ لأنواع التّرجيح، ثمّ أبيّن بعد ذلك نظرته إلى النّسخ -إن شاء الله-.
(1) السالميّ، طلعة الشّمس، ص (2/ 280).
(2) ينظر: بادشاه، تيسير التّحرير، ص (3/ 137)؛ بنيونس الولي، ضوابط التّرجيح، 212.
(3) فركوس، الإنارة شرح كتاب الإشارة، 129.
(4) السّالمي، المصدر السابق، ص (2/ 280) وما بعدها؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 639.