أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣٥٨- مسألة تعارض السنّة القوليّة والفعليّة.
تناول الشّماخيُّ هذه المسألة ضمن مباحث العموم، وذلك في معرض حديثه عن عموم أفعال النّبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث تناول مسألة تعارض قوله - صلى الله عليه وسلم - وفعله، وفصّل القول فيها، كما تعرّض بالذّكر لهذه المسألة أيضا في كتابه شرح مقدّمة التّوحيد.
وفصّل القول في هذه المسألة، مميّزا في ذلك بين تعارض القول والفعل في حقّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتعارضه في حق أمّته(1).
واختار القول بتقديم قول النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على فعله عند التّعارض؛ وعلّل ذلك بأنّ القول متوجّه إلينا، فهو موضوع في الأصل للتّشريع، ودلالته متّفق عليها وأقوى من دلالة الفعل، كما أنّها تعمّ المعدوم والموجود والمعقول والمحسوس، أمّا الفعل فيخصّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يعمّ، حيث قال: «والعمل بالقول هو المختار؛ لأنّ القول وُضع لذلك فلا يختلف، بخلاف الفعل، وأيضا القول أعمّ، وأيضا دلالته متّفق عليها دون الفعل»(2).
وإن قامت قرينة على التّأسّي به - صلى الله عليه وسلم -، ودلّت على تكرار الفعل فالمتأخّر ناسخ(3).وبهذا قال جمهور الإباضيّة(4).
ومثّل الشّماخيُّ بتقديم الإباضيّة لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أصبح جنبا أصبح مفطرا»(5) على حديث عائشة وأمّ سلمة -رضي الله عنهما- أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ولا يفطر(6)؛ لأنّ الثّاني فعل فهو يحتمل الخصوصيّة به - صلى الله عليه وسلم -.
(1) ينظر تفصيل حالات تعارض قول النبّي - صلى الله عليه وسلم - مع فعله: الشماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 72؛74؛ الشوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 79).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 374.
(3) ينظر: الشّماخي، المصدر نفسه، صفحات 272 - 274؛ شرح عقيد التّوحيد، 93، 94.
(4) ينظر: النامي، دراسات عن الإباضيّة، 153، 154؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 645.
(5) أخرجه الرّبيع في الجامع الصّحيح، كتاب الصّوم، باب ما يفطر الصّائم، ووقت الإفطار والسّحور، حديث رقم: 315، ص (1/ 81).
(6) متّفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة -رضي الله عنها- بألفاظ متقاربة، ونصّه عند البخاري عن الزّهري، قال: «أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان أن عائشة وأمّ سلمة أخبرتاه: أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم»؛ البخاري، الصّحيح، كتاب الصّوم، باب الصّائم يصبح جنبا، حديث رقم: 1925، ص (3/ 29)؛ مسلم، الصّحيح، كتاب الصّيام، باب صحّة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، حديث رقم: 2645، ص (3/ 137).