أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣٧٠أمّا الشّماخيُّ فاكتفى ببيان الفرق الجوهريّ بين النّسخ والتّخصيص، دون التّعرّض للفروق الأخرى بينهما، حيث قال: «فرفع الحكم عن البعض الثّابت للجميع نسخ، وتبيين اختصاص اللّفظ ببعض المسمّيات تخصيص، فإذا أريد باللّفظ السّابق جميع المسمّيات وجميع الأزمان فرفعه نسخ، وإذا أريد باللّفظ السّابق بعض المسمّيات فتبيينه تخصيص، وهذا من الفروق بين التّخصيص والنّسخ»(1).
المطلب الثّاني: إثبات النّسخ وبيان محلّه:
الفرع الأوّل: إثبات النّسخ
ذكر الشّماخيُّ أنّ جمهور المسلمين على القول بجواز النّسخ عقلا ووقوعه فعلا، ولم يبسط القول في الاختلاف الحاصل في إثباته وإنكاره.
واكتفى بنسبة إنكار وقوعه لليهود وعبيد بن عمرو اللّيثي(2) من التّابعين، وأبي مسلم الأصفهاني(3) من المعتزلة، وغيرهم، ثمّ بيّن أنّهم احتجّوا على ذلك بحجج منها:
- قولهم إن كان الفعل المأمور به حسنا، فالنّهي عنه قبيح وكذا العكس، وعلى التّقديرين يلزم منه السّفه أو الجهل أو البداء وكلّ ذلك محال في حقّ الله تعالى.
- احتجّوا كذلك بقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾(4)، فالقول بالنّسخ يلزم منه إتيان الباطل.
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 475.
(2) هو أبو عاصم عبيد بن عمرو بن قتادة اللّيثي الجندعي المكي، الواعظ والمفسّر، اختلف في كونه صحابيّا أم تابعيّا، وقيل أنّ وفاته كانت سنة 74 هـ. تنظر ترجمته: ابن الأثير، أسد الغابة، تح: عادل أحمد الرّفاعي، ط 1، دار إحياء التّراث العربي، بيروت، لبنان، 1417 هـ-1996 م، ص (3/ 564).
(3) هو أبو مسلم محمّد بن بحر الأصفهاني، أحد أعلام المعتزلة في القرن الثالث الهجري، كان عالما بالتّفسير والنّحو، ولد سنة 254 هـ، ولي إمارة أصفهان وبلاد فارس للمقتدر العبّاسي، توفي سنة 322 هـ، من آثاره: "جامع التّأويل"، "النّاسخ والمنسوخ". تنظر ترجمته: أحمد بن يحي بن المرتضى، طبقات المعتزلة، ط 2، دن، بيروت، لبنان، 1407 هـ-1987 م، 91؛ الزّركلي، الأعلام، ص (13/ 118).
(4) سورة فصّلت، الآية: 42.