أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣٧٢في الصّلاة، حيث كان هذا الحكم مأمورا به، ويثاب عليه فاعله، ثمّ صار بعد نسخه منهيّا عنه، ويعاقب عليه فاعله(1).
واعترض الشّماخيُّ على رأي الوارجلاني، نافيا جواز نسخ الثّواب والعقاب، حيث قال بعد إيراده لرأي الوارجلاني في المسألة: «وفيه نظر؛ لأنّ الثّواب لا يُنسخ لأنّه كان متعلّقا بثبوت الصّلاة إلى بيت المقدس، ولم يخبر عن ثبوت الثّواب مطلقا، بل يفيد وجوب استقباله بيت المقدس، والإخبار بالعقاب بعد زوال الوجوب الأوّل، والخبران لا يتعارضان إلّا إذا اتّحد وقتهما»(2)، وقد وافق السّالميُّ الشّماخيَّ فيما ذهب إليه(3).
وبيّن الشّماخيُّ كذلك أنّ النّسخ لا يجوز في معرفة الله وتوحيده وصفاته، ونسب للظّاهرية القول بجواز ذلك(4)، واستغفر الله تعالى من ذلك، ولم يتكلّف الرّد عليهم.
كما اتّفق مع الوارجلانيِّ(5) على عدم جواز النّسخ في الأمور العقليّة؛ معلّلا ذلك بأنّ العقل لا يأتي بخلافها.
المطلب الثّالث: أنواع النّسخ في الأدلّة الشّرعية.
تقدّم أنّ النّسخ عبارة عن رفع حكم شرعيّ متقدّم بحكم شرعيّ متراخ عنه، وعليه فإنّ النّسخ لا يثبت إلّا بدليل شرعي، فهو مرتبط بالوحي، ومحسوم في عهد النبوّة لا بعده؛ لأنّه ليس عملا اجتهاديّا(6).
والأدلّة الشّرعية منها ما هي محلّ اتّفاق بين العلماء في نسخها والنّسخ بها، ومنها ما هي … محلّ اختلاف.
فلا خلاف بين العلماء في جواز نسخ القرآن بالقرآن، والخبر المتواتر بمثله، وخبر الواحد بمثله(7)، ولكن وقع الاختلاف بينهم في نسخ المتواتر قرآنا كان أو سنّة بالآحاد، كما وقع الاختلاف في نسخ الإجماع والقياس، والنّسخ بهما.
وفي ذلك يقول الشّماخي مبيّنا ما يجوز النّسخ به من الأدلّة: «وبالقرآن للقرآن والسنّة، وبالسنّة لهما، وفي نسخ القرآن والمتواتر بالآحاد خلاف»(8)
وفيما يأتي عرضٌ لهذه الأقسام، وبيان حكم النّسخ في المنصوص من الأدلّة (الكتاب والسنّة)، ثم حكم النّسخ في الأدلّة الغير نصّية من إجماع أو قياس، مع عرض رأي الشّماخيِّ فيها.
الفرع الأوّل: النّسخ في الأدلة النّصيّة
أوّلا- النّسخ بالقرآن الكريم:
يتّفق الشّمّاخيُّ مع الجمهور القائلين بالنّسخ على جوازه بالقرآن الكريم؛ لأنّ آيات القرآن متساوية في قطعية الثّبوت، وفي وجوب العمل.
ويضمّ هذا نسخ القرآن للقرآن، ونسخ القرآن للسّنة:
1 - نسخ القرآن بالقرآن:
بيّن الشّمّاخيُّ أنّ هذا النّوع كثير الوقوع، ومثّل له بنسخ عدّة المتوفّى عنها زوجها، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾(9)، حيث
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 221).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 473.
(3) السالميّ، طلعة الشمس، ص (1/ 505).
(4) أجاز ابن حزم نسخ التّوحيد عقلا حيث قال: «بل نقول إن الله؛ عزّ وجلّ؛ قادر على أن ينسخ التّوحيد وعلى أن يأمر بالتّثنية والتّثليث وعبادة الأوثان، وأنّه تعالى لو فعل ذلك لكان حكمة وعدلا وحقّا، ولكان التوحيد كفرا وظلما وعبثا، ولكنه تعالى لا يفعل ذلك أبدا؛ لأنه قد أخبرنا أن لا يحيل دينه الذي أمرنا به، فلما أمنّا ذلك صار ما تبرأ الله منه كفرا وظلما وعبثا، وصار ما أمر به حقا وعدلا وحكمة فقط»، ابن حزم، الإحكام، ص (4/ 476).
(5) الوارجلاني، المصدر السابق، ص (2/ 223)؛ الشّماخي، المصدر السابق، 472.
(6) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 672.
(7) نقل بعض الأصوليّين الإجماع في هذه المسألة منهم ابن حزم، الباجي، السّرخسي، ابن قدامة، الزّركشي، الشّوكاني وغيرهم. ينظر: ابن حزم، الإحكام، ص (4/ 505)؛ الباجي، الإشارة، 267؛ السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (3/ 123)؛ ابن قدامة، روضة الناظر، 44؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (3/ 185)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 323).
(8) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 479.
(9) سورة البقرة، الآية: 240.