أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٣٧٦

- واستدلّوا أيضا بنسخ حكم حبس النّساء الزّانيات الثّابت في قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾(1) بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «قد جعل الله لهنّ سبيلا الثّيب بالثّيب الرّجم»(2).

ثمّ أجاب الشّماخيُّ على هذه الحجج فقال: «والجواب عن الأوّل، أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقلّب وجهه إلى السّماء طالبا ربّه أن يولّيه إلى استقبال مكّة، والمسلمون يتوقّعون ذلك لقطعهم بأنّ الله يجب دعاء نبيّه -عليه السّلام-، فهذا كالمتواتر في إفادة الصّدق، ولكن ليس النّسخ به، بل بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾(3)، أو بقوله -عليه السّلام- للجماعة، والواقع من أهل قباء التّصديق به لهذه القرائن، لكنّ النّسخ به لما معه من القرائن، ولا يقع بخبر الواحد مطلقا، وكذا الجواب عن الآيتين الأخريين؛ لأنّ عدم اختلاف الأمّة فيهما صارا مقطوعين بهما»(4).

وأجاز الشّماخي نسخ القرآن بالسنّة المتواترة، مستدلّا بكون كِليهما ثابت بالوحي، ومقطوع بصحّته، ونسب للشّافعي وغيره منع ذلك.

ولم يورد أمثلة عن نسخ السنّة المتواترة للمتواتر قرآنا أم سنّة، ولا لنسخ الآحاد للآحاد.

الفرع الثّاني: النّسخ في الأدلّة الغير نصّية

أوّلا: نسخ الإجماع:

يتّفق جمهور الأصوليّين على أنّ الإجماع يعتبر مخصّصا للعموم، ومبيّنا للمجمل، ولكن هل يجوز أن يكون ناسخا أو منسوخا؟

يوافق الشّماخيُّ الجمهور في كون الإجماع لا يقع ناسخا أو منسوخا؛ وعلّل امتناع كونه ناسخا لغيره من الأدلّة بأنّ الإجماع لا يكون إلا بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -، والنّسخ لا يكون بعد موته - صلى الله عليه وسلم -، كما بيّن أنّ: «الإجماع إن كان عن نصّ قاطع فالنّاسخ هو النّص لا الإجماع، وإن كان عن ظنّ فالأوّل إمّا قطعي فلا يجوز الإجماع معه؛ لأنّه يكون مخالفا للقاطع وهو خطأ، وإن كان ظنّيا فلا يبقى مع الإجماع؛ لأنّ الإجماع دليل قطعي وشرط العمل بالظّني ألّا يعارضه قاطع».

وعلّل امتناع نسخ الإجماع بأنّ الإجماع دليل قطعي، فالنّاسخ له إن كان ظنّيا فلا يصحّ معارضته للقطعي، أمّا إن كان قطعيّا لزم أن يكون الإجماع غير قاطع وهو محال(5).

ثمّ ذكر أنّ بعض الأصوليّين يجوّزون نسخ الإجماع والنّسخ به، دون نسبة هذه الأقوال لأصحابها، ولا بيان لما استدلّوا به(6).

ثانيا: نسخ القياس:

بيّن الشّماخي أنّ القياس لا يقع ناسخا ولا منسوخا، موافقا في ذلك لمذهب الجمهور، وعلّل ذلك بأنّ: «شرط صحّة القياس عند كلّ من قال به ألّا يخالف نصّا مظنونا أو مقطوعا، فإذا خالف نصّا مظنونا أو مقطوعا بطل الحكم به، وأمّا كونه منسوخا فلمعارضته للنّص الذي وُجد بعده، وأمّا كونه ناسخا فلمعارضته للنّص الذي قبله»(7).

ثمّ ذكر أنّ بعض الأصوليّين قالوا بجواز النّسخ بالقياس بناء على جواز التّخصيص به، والبعض جوّزوا النّسخ بكلّ دليل يقع به البيان والتّخصيص(8)، واكتفى بردّ هذه الأقوال دون عرض

(1) سورة النساء، الآية:15.

(2) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبادة بن الصامت قال: «كان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ُأُنزل عليه كرب لذلك، وتربّد له وجهه قال: فأنزل عليه ذات يوم، فلقي كذلك، فلما سرّي عنه، قال: «خذوا عني، فقد جعل الله لهنّ سبيلا، الثّيب بالثّيب، والبكر بالبكر، الثّيب جلد مائة، ثم رجمٌ بالحجارة، والبكر جلد مائة، ثم نفي سنة»؛ كتاب الحدود، باب حدّ الزّنا، حديث رقم: 4515، ص (5/ 115).

(3) سورة البقرة، الآية: 144.

(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 482، 483.

(5) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 474.

(6) ذهب إلى جواز النّسخ بالإجماع ابن حزم، الآمدي وغيرهما، وذكر السّرخسي أنّ هذا الرّأي منقول عن بعض مشائخ الحنفيّة، ثمّ اعترض عليه. ينظر: ابن حزم، الإحكام، ص (4/ 517)؛ السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (3/ 124)؛ الآمدي، الإحكام، ص (1/ 302)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (3/ 203).

(7) الشّماخي، المصدر السابق، 473.

(8) ذهب بعض الأصوليّين إلى جواز النّسخ بالقياس إن كانت علّته منصوصا عليها؛ لأنّه يكون في معنى النّص، وذهب آخرون إلى جواز النّسخ بالقياس الجليّ دون الخفي، ولكنّ مذهب الجمهور هو أنّ القياس لا يكون ناسخا ولا منسوخا. ينظر تفصيل مذاهب العلماء في المسألة: أبو الحسين البصري، المعتمد، ص (1/ 403)؛ الشّيرازي، اللّمع، 60، الغزالي، المستصفى، ص (1/ 200)؛ الآمدي، الإحكام، ص (3/ 178)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 282؛ الزّركشي، المصدر السابق، ص (3/ 206)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 329)؛ السالميّ، طلعة الشمس، ص (1/ 535).