أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٣٩

وخلال إقامته بتونس سمحت له الفرصة بالالتقاء بأمير إفريقيّة أبي عمرو عثمان (839 - 893 هـ/1435 - 1488 م)، وتحاور معه حول بعض المسائل الفقهيّة.

كما التقى خلالها بعالم إباضي عماني، وهو الفقيه محمّد بن عبد الله السّمائلي، ونقل عنه عدة أخبار تتعلّق بإباضيّة عمان والمشرق(1).

وعند عودة أبي العبّاس إلى موطنه الأصلي بجبل نفوسة اشتغل بالتّدريس بمدرسة جامع يفرن الكبير، ولم يُعقه اشتغاله بالتّعليم واستغراق أوقاته فيه عن التّأليف، فقد ألّف عددا من الكتب المتعلّقة بتاريخ الإباضيّة، وعقيدتهم، وفقههم، ولم تُسعِفنا المصادر بتفاصيل أكثر عن حياته(2).

وبالجملة فإنّ أبا العبّاس أخذ بحظّ وافر من العلم من علماء الإباضيّة ومن غيرهم، وسمحت له فترة دراسته في تونس بالاطّلاع على المذاهب الأخرى وكتبهم؛ فقد كانت تونس عامرة بالمكتبات الزاخرة بالكتب، وبخاصّة المذهب المالكي الذي كان المعتمد عند الحفصيّين.

وهذا الاطّلاع كوّن منه شخصيّة علميّة قويّة، فقد كان ذو ثقافة موسوعيّة وتفتّح، يتّسم في أعماله بالنّزاهة العلميّة والمرونة، ولم يكن له تعصّب لمذهبه، وهذه سمة بارزة تُلحظ في سائر مؤلّفاته(3)؛ فلم يكن يقتصر على المصادر الإباضيّة، بل كان يأخذ من كتب غيرهم، حيث اعتمد في كتابه السّير -إلى جانب المصادر الإباضيّة- على مصادر غيرهم، وفي كتابه مختصر العدل والإنصاف وشرحه، أودع فيه كثيرا من آراء غير الإباضيّة، وأحيانا كان يرجّح بعضها -إن رأى فيها الحق- ويخالف رأي مذهبه.

قال أبو إسحاق اطفيّش(4) منوّها بالمكانة العلميّة التي احتلّها الشّماخي: «وأبو العبّاس من أعلام العلم الذين نبه لهم شأن عظيم لجدهم واجتهادهم، وبلغوا منزلة قصوى في العلم، كانوا بها منارا

(1) ينظر: الشماخي، المصدر السابق، ص (2/ 794، 795)؛ ليفيتسكي، المؤرّخون الإباضيّون، 46؛ التّيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 137؛ الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضيّة، ص (1/ 127).

(2) ينظر: سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة، 182، 183؛ محمد حسن، مقدّمة تحقيق كتاب السير، 14.

(3) ينظر: ليفيتسكي، دراسات شمال إفريقية، كتاب السّيَر لأبي العبّاس الشّماخي، 12؛ التّيواجني، المرجع السابق، 147؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ص (2/ 44).

(4) هو إبراهيم بن امحمّد بن إبراهيم بن يوسف اطفيّش، ولد سنة 1305 هـ ببني يسجن بمزاب، وتلقى العلم على يد عمّه القطب، كما تتلمذ بالعاصمة على يد عبد القادر المجاوي، رحل إلى تونس للاستزادة، وتلقى العلم عن محمّد بن يوسف الحنفين والطاهر بن عاشور، نفاه الاستعمار الفرنسي فاختار القاهرة، وتوفّي بها سنة 1385 هـ، ومن آثاره: مجلّة "المنهاج"، كتاب "الدّعاية إلى سبيل المؤمنين"، كتاب "موجز تاريخ الإباضيّة". تنظر مصادر ترجمته في: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 37، ص (2/ 24).