أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٥٩

وأقدم نصّ أصولي إباضي وصل إلينا هو للشّيخ ابن بركة، حيث وضع مقدّمة أصولية لكتابه الجامع حوت مباحث الكتاب والسنة، وبعض مباحث الإجماع والقياس، وبعض أحكام التقليد(1).

ثم جاء من بعده الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ووضع كتابه "العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف"، الذي يعتبر من أكمل الكتب الأصولية الإباضية، حيث استوفى فيه صاحبه جلّ المباحث الأصولية؛ لذلك كان كتابه عمدة للكتب التي أعقبته إمّا بالاختصار أو الشّرح أو النّظم، ورغم هذه الأهمّية البالغة التي يكتسيها الكتاب إلا أنّ مؤلّفه أكثر فيه من مسائل المنطق وعلم الكلام والسياسة الشرعية، ممّا جعله صعب المرام، وفي ذلك يقول الشماخي: «وكان كتاب العدل المنسوب إلى الإمام الحافظ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني أكمل ما صنّفت أصحابنا فيه، ولكنّه صعب المرام لكثرة الكلام»(2).

ولقد سعى علماء الإباضية المهتمين بعلم أصول الفقه إلى دراسة هذا الكتاب، وتخليصه من المباحث الكلامية سعيا منهم لتبسيطه لطلاب العلم ولتسهيل الاستفادة منه، فكان أبو القاسم البرّادي (ت 810 هـ) أوّل من وضع شرحا عليه أسماه بـ:" البحث الصادق والاستكشاف عن معاني كتاب العدل والإنصاف"، وهذا الكتاب عبارة عن شرح لكتاب الوارجلاني، وقد توفّي الشّيخ قبل أن يكمله.

ثمّ جاء من بعده الشماخي، حيث سعى بادئ الأمر إلى اختصار الكتاب بطلب من بعض إخوانه، مضيفا إليه فوائد أصولية من كتب أخرى، كما صرّح بذلك في مقدّمة كتابه فقال: « … استعنت بالله في اختصاره مع فوائد من غيره، وأرغب إليه أن يخلص لوجهه، وأن ينفع به، وهو حسبي ونعم الوكيل»(3).

وقد كان مختصره على صغر حجمه مستوفيا لمباحث الأصول، حيث أحاله إلى متن يسهل على طلاب العلم حفظه، لكنّ إيجازه الشّديد وعباراته القليلة أخلّت بكثير من معاني علم أصول الفقه، فقد شعر الشماخيُّ نفسه بذلك، وبيّن أنّ مختصره بحاجة إلى شرح يتمّ به فائدته، ويبيّن به لفظه ومعناه، فألّف كتابه "شرح مختصر العدل والإنصاف"، وقد سار فيه على نفس الخط الذي انتهجه في المختصر من حيث التقسيم، وكان بعمله هذا ساعيا لخدمة التراث، وباعثا له ودارسا، حيث غدا كتابه هذا قبلة للدّراسين الإباضيين، وعمدة لكتب الأصول الإباضية التي أعقبته.

المطلب الثّالث: المصادر التي اعتمد عليها.

لم يصرّح الشّماخيُّ في مقدّمة كتابه بالمصادر التي اعتمد عليها في اختصاره لكتاب الوارجلاني، واكتفى بالقول: «استعنت الله في اختصاره، مع فوائد من غيره»(4).

كما كان لا يُشير إلى أسماء الكتب التي استفاد منها إلّا نادرا، ومن الكتب التي صرّح بها (الدّيوان لابن بركة(5)، اللّمع لأبي إسحاق الشّيرازي(6)، وشرح المعالم لشرف الدين الفهري(7)، اختصار المحصول للقرافي(8)، الخصائص لابن جنّي(9))، إلّا أنّه أورد أسماء بعض

(1) جابر بن علي بن حمود السعدي، ابن بركة وآراؤه الأصولية، رسالة ماجستير مرقونة، الجامعة الأردنيّة، 1994 م، 47.

(2) الشماخي، شرح مختصر العدل، 194.

(3) الشماخي، المصدر نفسه، 194.

(4) الشماخي، شرح مختصر العدل، 194.

(5) هو أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة السليمي البهلوي، الشّهير بابن بركة، أحد أعلام الإباضية العمانيّين في القرن الرابع الهجري، كان أصوليا وفقيها ومتكلّما، ويعتبر أوّل من ألّف في أصول الفقه من الإباضيّة، تلقّى العلم عن أبي مالك غسّان بن مالك الصّلاني، وسعيد بن عبد الله. ومن تلاميذه: أبو الحسن البسيوي. ترك تراثا نفيسا، ومن مؤلّفاته: "كتاب الجامع"، "رسالة التّعارف والتّقييد"، "كتاب المبتدأ في خلق السّماوات والأرض". تنظر ترجمته: محمّد صالح ناصر، سلطان بن مبارك الشّيباني، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المشرق، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1427 هـ-2006 م، ترجمة رقم: 833، ص 285؛ فهد السّعدي، معجم الفقهاء والمتكلّمين الإباضيّة، قسم المشرق، ترجمة رقم: 504؛ ص (2/ 291).

(6) هو أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشّيرازي، الأصولي والفقيه الشّافعي، ولد سنة 393 هـ، انتقل إلى بغداد ودرّس بها، توفّي سنة 476 هـ، من آثاره: "التّبصرة"، "اللّمع"، "طبقات الفقهاء". تنظر ترجمته: النّووي، تهذيب الأسماء واللّغات، ص (2/ 172)؛ الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (18/ 428)؛ السّبكي، طبقات الشافعيّة الكبرى، ص (4/ 215).

(7) هو أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن علي بن شرف الدين الفهري، المعرف بابن التّلمساني، الأصولي والفقيه الشّافعي، ولد سنة 567 هـ، واشتهر في مصر وتصدّر للإقراء فيه، توفّي سنة 644 هـ، من آثاره:"شرح المعالم"، "شرح التنبيه". تنظر ترجمته: السّبكي، المصدر السابق، ص (8/ 160)؛ الزركلي، الأعلام، ص (4/ 336).

(8) هو أبو العبّاس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي المالكي، الأصولي والفقيه المالكي المصري، انتهت إليه رئاسة المالكية بمصر في القرن السّابع الهجري، توفي بها سنة 684 هـ، من آثاره:"الذّخيرة"، "أنوار البروق"، "تنقيح الفصول في اختصار المحصول". تنظر ترجمته: ابن فرحون، الديباج المذهّب، ص (1/ 336)؛ الزركلي، المرجع السابق، ص (1/ 268).

(9) هو أبو الفتح عثمان بن جنّي الموصلي، من أئمّة الأدب والنّحو، ولد بالموصل، وسكن بغداد وتوفي بها سنة 392 هـ، من آثاره: "شرح ديوان المتنبي"، "الخصائص". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النبلاء، ص (17/ 11)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (9/ 54).