أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٦٤المبحث الثاني: أهمّية الكتاب وقيمته العلميّة، والأعمال التي تتابعت عليه.
المطلب الأوّل: أهمّية الكتاب وقيمته العلميّة.
عَرف علم أصول الفقه جمودا وانحدار بداية من القرن السّادس الهجري، حيث عكف المتأخّرون على اجترار نتاج المتقدّمين دون السّعي للابتكار والتّجديد، فانتشرت الاختصارات والشّروح والحواشي، ولم يشذّ الشّماخيُّ عن هذا المنهج السّائد؛ وذلك من خلال اختصاره لكتاب الوارجلاني ثمّ شرحه.
ولكنّ عمله لم يكن مجرّد اختزال للألفاظ وجعل القليل منها يفيد الكثير فحسب، وإنّما كان اختصارا مع إعادة ترتيب وتبويب المباحث الأصوليّة، وإضافة فوائد من كتب أصوليّة أخرى، ومقارنة بين الأصول التّشريعيّة الإباضيّة وأصول غيرهم، كما كانت شخصيّته بارزة من خلال التّرجيح والتّصويب والتّصحيح، ولم يكن مجرّد ناقل لآراء الأصوليّين، ففي بعض الأحيان كان يخالف رأي الجمهور إن بدا له الصّواب في رأي غيرهم، كما أنّه خالف الوارجلانيَّ في عدّة مسائل، وخالف رأي جمهور الإباضية في بعضها، وسأحاول ذكر بعض المسائل التي خالف فيها الوارجلانيَّ وجمهور الإباضيّة لاحقا -إن شاء الله-.
ويعدّ عمله هذا ثانيَ عمل حول كتاب الوارجلاني بعد الشّرح الذي وضعه عليه أبو القاسم البرّادي (ت 810 هـ)، الموسوم بـ: "البحث الصادق والاستكشاف عن معاني كتاب العدل والإنصاف"، ولكنّ هذا الشّرح غير مكتمل، وقد أكثر صاحبه فيه من المسائل الكلاميّة.
وقد ارتكز عمل الشّماخيِّ على إعادة ترتيب كتاب الوارجلاني مع إضافة فوائد من كتب أصوليّة أخرى، وكذا تنقيحه من المسائل الكلاميّة، إلّا ما كان وثيق الصّلة بأصول الفقه، وهو ما بيّنه في مقدّمة كتابه فقال: «وكان كتاب العدل المنسوب إلى الإمام الحافظ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، أكمل ما صنّفت أصحابنا فيه، ولكنّه صعب المرام؛ لكثرة الكلام،