أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٧٩6 - دقّة الصّياغة واختيار الألفاظ:
كان الشّماخيُّ دقيقا في صياغته وانتقائه للألفاظ، وبخاصّة في الحدود والتّعريفات؛ فغالبا ما كان يعّلل سبب تقديمه لموضوع على آخر، واختياره للفظ دون آخر.
فمن أمثلة ذلك تعليله لإيراده حدّ أصول الفقه بقوله: «بدأت بالحدّ؛ لأنّ كلّ طالب علم لا بدّ أن يتصّوره أوّلا بحدّه أو برسمه؛ ليكون على بصيرة في طلبه، لأنّ من ركب متن عمياء خبط خبط عشواء، إذ لو طلبه من غير تصوّره مع تشعّب مسائل العلم فاته ما يطلب»(1)، ومن الأمثلة أيضا تعليله اختيار لفظ (جري) في تعريف القياس بقوله: «قولي (جري): جنس، والمراد به وجود التّسوية في الحكم لا ثبوت الحكم في الفرع؛ لأنّ ثبوت الحكم فيه نتيجة للقياس فلا يكون جنسا له»(2)
7 - إيراد الفوائد الجانبيّة:
كان الشّماخيُّ خلال شرحه لنصوص مختصره يورد بعض الفوائد الجانبيّة، خاصّة اللّغويّة منها، فمن أمثلة ذلك قوله في مقدّمة الكتاب في شرح عبارة "وأرغب إليه أن يخلص لوجهه، وهو حسبي ونعم الوكيل": «(أن يخلص) أي يوفّقني أن أكون مخلصا المختصر له، (ونعم الوكيل) معطوف على (وهو حسبي) أي وهو نعم الوكيل، أو على (حسبي)، ولا حاجة بتقديره بفعل؛ لأنّ الجملة التي لها محلّ تعطف على المفرد من غير تأويل، نحو قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾(3)، ومعطوف على ﴿وجيها﴾؛ ولذا بعض الفضلاء جوّز عطف الإنشاء على الخبر، فلا إشكال إذًا»(4).
8 - الحيدة والموضوعيّة:
من أعظم ما يميّز كتاب الشّماخيِّ موضوعيّته وابتعاده عن التّعصّب؛ فإذا عرض المسألة جعل الحقّ والحقيقة العلميّة مذهبه وخلع رداء التّقليد، فمع كونه مختصرا لكتاب الوارجلاني إلّا أنّ هذا لم
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، 197.
(2) الشماخي، المصدر نفسه، 525.
(3) سورة آل عمران، الآية: 46.
(4) الشماخي، المصدر نفسه، 195.