مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٠٣

المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته

(1)

الله ونعم الوكيل … ). وهكذا في سائر كتبه، وإيمانه بالرُّسل والشَّرائع السَّماوية عموما وشريعةِ الرسول الخاتم على وجه الخصوص هو محل قطع؛ ولطالما تكلم في إثبات النُّبوَّة وكيفية دعوة الأنبياء إلى الله تعالى (2)، وأن يكون النبيُّ إنسانًا له من الخصوصية ما ليس لسواه (3)، وهو يرى أفضلية شريعة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - على ما سواها، وأنها جاءت بأفضل ما جاءت به الشرائع الإلهية، لذا؛ نجده مجلّيّا هذه الحقيقة في كتابه: (رسالة الأضحوية)) قائلاً: وإيضاح هذا أنَّ الشَّريعة الجائية على لسان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - جاءت بأفضل ما يُمكن أن تجيء عليه الشّرائع وأكمله، ولهذا صلح أن يكون خاتم النبيين والشّرائع، وآخر الملل، ولهذا المعنى قال عليه السَّلام: إنَّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (ه) أ. هـ (2) - تأليف الرَّجل شاهدة على بُعدِه من الإلحادِ بعد المشرقين؛ فهو من قد ألف: (البر والإثم) و (المبدأ والمعاد) و (رسالة القضاء والقدر) وما أشبهها)، وكما هو جلي فهذه الموضوعات موضوعات خاصة عند أهلِ الشَّريعة، ويبدو أنَّ من يتهم ابن سينا بالإلحاد - على المعنى الذي نصصنا عليه في مفتتح سجالنا هذا - إنَّما استورد معلوماته من (وكالة قالوا)، ولو أنه طالع نزرًا يسيرًا من كلماتِ بعض كُتُبِ ابن سينا كـ (الإشارات والتنبيهات)، و (الشفاء)، و (النَّجاة) - على سبيل التَّمثيل لا الحصر - لما تهوّك وتهوّر واقتحم غَمَراتِ التَّكفير! فالنَّظر الشريع الخاطف في أي كتاب من كتبه قمين بجلاء النقاب عن ديانة الرجل.

(3) - كيف يدعي مدع إلحاد ابن سينا وهو الذي نقل برهان (الإمكان والوجود) عند الفارابي من صورته الأوَّليَّه، إلى صورته التَّفصيليَّة، وارتقى به من طورِ التَّكوين إلى طورِ التفصيل! "فإذا كان الفارابي هو الذي وضع اللبنة الأولى أو الصياغة الأوَّلانيَّة للبرهان، فإنَّ ابن سينا هو الذي

1 - ابن سينا، التعليقات، ص 13.

2 - فخر الدين الإسفرايني شرح كتاب النجاة لابن سينا، ص 534. - المرجع السابق، ص 536.

4 - هذا الكتاب رسالة توجّه بها ابن سينا إلى أبي بكر البرقي بمناسبة عيد الأضحى المبارك وبه سُمّيت، وقد أودع فيها خلاصة رأيه في مسألة المعاد، وقد وصف ابن سينا البرقي بأنَّه (فَقِيه النَّفس متوحد فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير والزُّهد مائلُ إِلَى هَذِهِ الْعُلُومِ)، ويبدو أنَّه من جيرانه، بل هو من خاصته الذين يتوجه إليهم بمَكنُونِ علمِهِ دونَ حَرِيجَةٍ أَو تَحفُظ، فقد صنَّف لَهُ كتاب الْحَاصِل والمحصول - قريب من عشرين مجلدة - وصنَّف لَهُ كتاب البر وَالْإِثْم المتقدّم الذكر، وهو في الْأَخْلَاقِ، وَهَذَانِ الكتابان لا يوجدان إِلَّا عِنْده فلم يعر أحدًا يَنْسَخِ مِنْهُما كما صرح بذلك ابن سينا؛ وهذا تأكيد على أنَّه من خاصته الذين يبوح لهم، ورسالته الأضحوية بوح من ذاك البوح الخاص! ه - ابن سينا، الأضحوية في المعاد، ص (109 - 110). 6 - ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء، ص (439 - 440).

103