مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٠٤مناجزة الإلحاد
فصَّل البرهانَ وأحكم بنيانه العقلي، حتَّى أنَّه تحدَّث فيه في كتبه الكبرى كالإلهيات من الشفاء، والإشارات والتنبيهات والنَّجاة، وفي الصغرى كالمبدأ والمعاد، وفي رسائله كالرسالة العرشية،
معه
بحيث ترتبط رؤيته في إثباتِ الله تعالى برؤية الفارابي ومنهجه ارتباطًا وثيقًا، حيث ينطلقُ. من المنهج التأملي بالنَّظر في مفهوم الوجودِ لرؤية واجب الوجودِ انطلاقا من القسمة العقلية للوجود إلى واجب وممكن منطلقا إلى الفضاء الأوسع حيثُ يشد برهانه بأركان الآيات القرآنية مبتعدا بالبرهان مع سلفه عن البراهين اليونانية، مؤكدًا أنَّه ليس هناك دليل على الحق المتعالي إلا ذاته، لأنَّ الحقَّ هو أن يُعرف الحقُّ بذاته لا بواسطة سواه … (4) - أنفاسُ ابن سينا في كتبه ومراسلاته أنفاسُ، عارف، ومن يبتغي الجمع بينه وبين الإلحادِ كمبتغ الجمع بين الماء والنَّارِ في مَحَلّ، خذوا مثلا:
(1)
(أ) - وصيته لأبي سعيد ابن أبي الخير الزَّاهد المتصوّف بعدما استرشَدَه واستنصحه حيث أجابه بقوله: " ليكن الله تعالى أوَّلَ فكرِ لَهُ وَآخرَه، وباطنَ كلّ اعتبار وظاهره، ولتكن عينُ نَفسه مكحولةً بالنَّظر إليهِ، وقَدمُها مَوْقُوفَةً على المثول بين يديهِ، مُسافرًا بعقله في الملكوت الأعلى وما فيه من آيات ربّه الكبرى، وإذا انحط إلى قراره فلينزه الله تعالى في آثاره؛ فَإِنَّهُ بَاطِنٌ ظَاهر، تجلى لكل شيء بكل شيء …
ففي كلّ ء له آية
تدلُّ على أنه واحد
(المتقارب)
فإذا صارت هذه الحال لَهُ مَلَكةً انطبَعَ فيها نقشُ المَلكوت، وتجلَّى لَهُ قُدس اللاهوت؛ فأَلِفَ الإِنْس الأعلى، وذاق اللذة القصوى، وأخذ عن نفسه من هو بها أولى، وفاضَت عليهِ السكنية، وحقَّت عليهِ الطُّمأنينة، وتطلَّع إلى العَالَم الأدنى اطّلاعَ رَاحِمِ لأهله، مستوهن لحيله مستخفّ لثقله، مستحسن به لعقله مستضل لطرقه، وتذكَّر نفسه وهي بها لهجة، وببهجتها بَهِجَة، فتعجب منها ومنهم تعجبهم مِنهُ، وقد ودَّعها وكان معها كَأَنَّهُ ليسَ معها. ولْيَعْلَم أَنَّ أَفضل الحركات الصَّلَاة، وأمثل السكنات الصيام وأنفع البر الصَّدَقَة، وأزكى السر الاحتمال، وأبطل السهي المراءاة، وَلَنْ تخلُصَ النَّفْسُ عَن الدَّرن مَا التفتت إلى قيل وَقَالَ، ومناقشة وجدال،
1 - عادل محمود بدر برهان الإمكان والوجوب بين ابن سينا وصدر الدين الشيرازي، ص 33.
104