مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٠٥

المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته

وانفعلت بِحَالٍ من الأحوال، وخيرُ الْعَمَل ما صَدَرَ عن خالص نيَّة، وَخيرُ النيَّة ما ينفرج عن جَنابِ علم، والحكمة أمُّ الْفَضَائِلِ، وَمَعْرِفَة الله أوّل الْأَوَائِل … ثمَّ يُقبل على هَذِهِ النَّفس المزيَّنة بكمالها الذاتي فيحرسها عن التلطَّخ بما يشينُها من الهيآتِ الانقيادية للنفوس المواديَّة التي إذا بقيت فِي النُّفُوس المزينة كان حالها عند الانفصال كحالها عند الاتصال؛ إِذْ جوهَرُها غير مشاوب ولا مخالط؛ وإِنَّما يدنسها هَيْئَة الانقياد لتلك الصواحب، بل يفيدها هيآت الاستيلاء والسياسة والاستعلاء والرياسة، وكذلك يهجر الكذب قولا وتخيلا حتّى تحدث للنَّفس هَيْئَةٌ صدوقة؛ فتصدق الأحلام والرُّؤيا، وأمَّا اللَّذَّات فيستعملها على إصلاح الطَّبيعة وإبقاء الشَّخْص أو النَّوْع أو السياسة، أما المشروب فإِنَّهُ يهجر شربه تلهيا، بل تشفيًا وتداويًا، ويعاشر كل فرقة بعاديه ورسمه، ويسمح بالمقدور والتقدير من المال ويركب لمساعدة الناس كثيرًا مِمَّا هو خلاف طبعه، ثمَّ لا يُقصِر في الأوضاع الشَّرعِيَّة، ويعظم السُّنَن الإلهية، والمواظبة على التعبدات البَدَنِيَّة، ويكون دوام عمره - إذا خلا وخلص من المعاشرين - تطربه الزينة في النفس، والفكرةُ في الملكِ الأوَّل وملكه، وكيس النَّفس عن عيار النَّاس من حيثُ لا يقف عَلَيْهِ النَّاسِ، عَاهَدَ اللَّهِ

أنه يسير بهذه السيرة، ويدين بهذه الديانة، والله ولي الذين آمنوا وهو حسبُنَا ونِعمَ الوَكِيل ()

(1)

(ب) - ومن (الإشارات والتنبيهات) في مقام العارفين قوله: "المعرِضُ عن متاع الدنيا وزينتها يُخص باسم (الزاهد)، والمواظب على فعل العبادات من القيام والصيام ونحوهما يخص باسم (العابد)، والمنصرف بفكره إلى قُدس الجبروت، مستديما لشروق نور الحق في سره، يُخص باسم (العارف)، وقد يتركَّب بعض هذه مع بعض الزهد عند غير العارف معاملة ما، كأنه يشتري بمتاع الدنيا متاع، الآخرة، وعند العارف تنزة ما، عمَّا يشغل سره عن الحق، وتكبر على كل شيء غير الحق، والعبادة عند غير العارف معاملة ما، كأنَّه يعمل في الدُّنيا لأُجرَةِ يأخذها في الآخرة، وهي الأجر والثَّواب، وعند العارف رياضة ما، لِهِمَمِه وقوى نفسه المتوهمة والمتخيّلة؛ ليجُرَّها بالتَّعويد عن جَنَاب الغُرور، إلى جَنَاب الحق. فتصير مسالمةً للسر الباطن، حينما يستجلى الحق لا تنازعه. فيخلص السر إلى الشروق الساطع، ويصير ملكة مستقرة، كلما شاء السر اطلع إلى نور الحق غير مزاحم من الهمم. بل من تشييع منهاله، فيكون بكليته مُنخرِطًا في سلك القُدُس (2).

1 - ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء، ص (445 - 446).

2 - ابن سينا الإشارات والتنبيهات، ص (57 - 60).

105