مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

مناجزة الإلحاد

(5) - نجد أنَّ ابن سينا يختم أواخر كُتُبه (الإشارات والتنبيهات) بتوصية يقول فيها: "إني قد مخضت لك في هذه الإشارات عن زبدة الحق، وألقمتك قَفِي الحِكم، في لطائف الكلم، فصُنه عن الجاهلين، والمبتذلين، ومن لم يُرزق الفطنة الوقادة، والدربة والعادة، وكان صغاه مع أو كان من ملاحدة هؤلاء الفلاسفة، ومن هَمجِهِم). فكيف يكون ملحدا من يُوصي الآخرين بصيانة كتابه عن الملحدين

(1)

الغاغة

ولما كانت الكلمات آخذةً بعضها بأضبع بعض، ومتشبثا بعضها بحُجز الأخرى؛ فإنَّنا نمد

(2)

القول إلى نصير الدين الطوسي (2) شارح كتاب الإشارات والتنبيهات)، فهو وابن سينا تجمعهم تهمة الإلحاد وقد كان كصاحبِه غَرَضًا لسهام التكفير، ومع اختلافنا مع بعض أفكار الطوسي إلا أنَّ نسبة الإلحاد إليه مما لا نوافق عليه، ومطالعة يسيرة في بعض كتبه كـ (تجريد العقائد) و (المسائل النصيرية) كفيلة بدرء هذه التهمة عنه، والقول ذاته يمكن سحبه على الفارابي، والكندي، وابن رشد، فإنَّ كتبهم ناطقة بإثبات وجود الخالق وتمجيده والتصديق بالأنبياء والنُّبوَّات، وكيف يُقال بإلحادِهم وهم الذين وشّوا حديثهم بجمال البراهين الدالة على الله، وملأوا طروسَهم إخبارًا عن آلائِهِ الشَّاملةِ الكونَ وما حواه، نعم؛ قد نختلف معهم في تفصيلات بعص المسائل، لكن هذا شيء والقولُ بإلحادِهم شيء آخر مختلف (3).

وختامًا، بعد هذا التطوافِ السَّريع العابر ببعض الشخصيَّاتِ المتهمة بالإلحادِ فإنَّنا تلفتَ عناية القارئ إلى أن بعض الباحثين يصلون - عندَ كتابتهم عن بعض الشخصيات - إلى نتائج خاطئة وذلك لعدم الجمع الموضوعي لكتابات الشخصيَّةِ المراد الحديث عنها؛ فيجتَزِأُ الباحِثُ عبارةً مرتبكةً ملتبكَةً موهمةً أطلَقَها العالِمُ أو الباحثُ عند تحرير مقالةٍ أو كتابة كتاب، فيحكُمُ عليه بها، ويصنِّفُه انطلاقًا منها في خانة أوصله إليها تسرعه، ولو أنَّ الكاتب فكر وقدَّر وترؤى

1 - المرجع السابق، (161/ 4 - 162).

2 - أبو جعفر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، فيلسوف مسلم، ولد في طوس (597 - 672 هـ / 1201 - 1274 م) وهو عالم بالفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء والطب والفلسفة، وهو متكلم أيضًا، يعد من علماء الشيعة الاثني عشرية بعدما كان في أول أمره إسماعيليا، عده ابن خلدون من أعظم علماء الفرس، تأثر بابن سينا وفخرالدين الرازي، وتأثر به كل من قطب الدين الشيرازي، وابن الشاطر، وكوبرنيكوس (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).

- ننوه بأنَّ (الإلحاد) الموجّه إلى هؤلاء الأعلام - بجانب أنه جاء من خصومهم - يعني الميل عن مذهب معين داخل الدين نفسه، أو الأخذ بقراءة مخالفة للقراءة السائدة داخل المذهب أو الدين الواحد. كذلك ننوّه بضرورة العلم بأنَّ هناك طائفة كبيرة من الأعلام اتهموا بهذه التهم للأسباب ذاتها، فما من عالم إلا وقد طالته هذه التهمة في العموم الأغلب بحكم التعصب المذهبي المتفشي تاريخيا.

1.7