مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٠٧المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
في أمره لربَّما عَثَرَ على عباراتٍ متعدّدةً متضافرةً تناقضُ ما فهِمَه من العبارة السابقة الملتبكة، وربما كانت أكثر وضوحًا ومباشرةً في دِلالتها على المقصود، ومما يقعُ فيه كثير من الباحثين في كتاباتهم - كذلك - عدم الإلمام بـ (التَّحقيبِ السّيري) الدَّقيقِ للشخصيَّة المتحدَّث عنها، ونريد بـ (التحقيبِ السّيري) القدرة على لحظ المفاصل الزمنية الفارقة في حياة أي شخصية يتم الحديثُ عنها، تلك المفاصل التي يتحوَّلُ فيها العالم أو المفكّر من طور سابق إلى طورٍ لاحق يقطعُ فيه الطُّورُ الجديدُ الصّلةَ مع الطورِ القديم او يُعيدُ فيها دراسة القديم وفق منهج جديد ومقاربةٍ مختلفةٍ تمكّن الباحث من القول أنَّ نتاجَ العالِم أو المفكّر أو الفيلسوف الفلاني بعد السنة الفلانية تحديدًا أو في السَّنوات (من … وإلى … ) ليس كما قبله، فيبدأ الباحث بتأطير المواقف والأحداث وما مارت به فيضع على ضوئها الخطوط العامة الناظمة لمعالم المرحلة الجديدة منطلقا منها إلى تقرير أحكامٍ دقيقةٍ أو أحكام مقتربة من الدقة بشكل كبير على أقل الأحوال، ولكي لا يكونُ الكلام نظريًّا صرفاً نضربُ عليه مثلًا لشخصية من العصر الحديث أثارت زوبَعةً هائلةً فاحتدمت - في حياتها وبعد موتها - الوَقائِعُ الفكرية، وتكسرت أسنَّة الأقلام على أسنَّة الأقلام كتابةً عنها وإصدارًا للأحكام عليها أو لها ألا وهي شخصية الأديب طه حسين، وبدايةً ليس بمستغرب على كل حال أن يحتدمَ الجَدَلُ وتثور زوبعة النقاش عند الحديث عن شخصيَّةٍ كمثل شخصيَّة طه حسين؛ نظرًا لمكانته العلميَّةِ وتأثيره في ساحة الفكر والأدب وما رافق ذلك من أخطاء فكريَّةٍ علمية فادحة، مما أدخَلَه في معارك فكرية هائلة مع القامات الفكريَّةِ الفارعة المعاصرة له والقريبة منه من أمثال: المنفلوطي، والرافعي، وحافظ، وشوقي، والعقاد، وزكي مبارك، ومحمد حسين هيكل وساطع الحصري وغيرهم كثر، نقول إنَّ ذلك ليس بمستغرَبِ ولكنَّ المستغرَبَ أنْ يكتب كاتب - اليوم - فيتمحور حول قضيَّة أو كتاب أصدره طه حسين في سنين باكرِةٍ من رحلته الفكرية فيصدر أحكامه القاطعة الصَّارِمة بناءً عليه بل ويكفّره ولم ينتبه أنَّ الرَّجل تقلَّبَت به الأيامُ من بعد ليصل إلى حال أخرى مبتعدة عن الحالة القديمة مغايرًا لها على طَرَفٍ نَقِيض! تمثَّلَ في آخرِ نتاجِهِ الفكري في كتابيه (مرآة الإسلام)
1 - تتمثل أخطاؤُه الفادحة في كتابيه (في الشّعر الجاهلي) و (مستقبل الثقافة في مصر)، أما الكتاب الأول فهو كتاب أصدره في سنة (1926 م)، وقد وَقَفَ طه حسين بهذا الكتاب متربّعا على قمة هرم تجديفاته وتجاوزاته على الإسلام بما فيه من عقائد ومقدسات، أما الكتاب الثاني فهو كتاب أصدَرَه في سنة (1938 م)، ومثل قمة محاولاته ومطالباته بتذويب الشرق الإسلامي في الأنموذج الحضاري الغربي بكل ما فيه من حَسَناتٍ وسيئات، بما فيه من محاسن وقبائح، أراده أنْ يكونَ ذوبانًا تاما شاملًا في الأنموذج الغربي بعُجَرِهِ ويُجَرِه!
107