مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١١٠مناجزة الإلحاد
أوغسطين
إطلالة
على العصر الأوروبي الوسيط
انتقلت موروثات اليونان الفلسفية إلى أوروبا، وكان هناك من تلقفها وتناولها بتصرف أو بدونه، وقد برز عدد من الفلاسفة في العصر الأوروبي الوسيط ممن تأثروا بالفلسفة اليونانية فكان مزبَرُ الفلسفة خاضعا لهم وتحت سطوتهم؛ أشهرهم على الإطلاق القديس أوغسطين (Augustin)(1) مؤسس الأفلاطونية المسيحية ومثقفُ العصر الوسيط بأسره، فمؤلفاته الزاخرة في الأدب والفلسفة واللاهوت شاهدة على ذلك، ثم تكاثرت المدارس وتعاظمت وانتظم التعليم العالي، ونبغ العلماء والمفكرون، فشهد القرن التاسع حركةً علميَّةً زاهرةً غير أنَّ اضطراباتٍ جديدة عطّلت هذه الحركة، وجعلت من القرن العاشر قفرًا، بلقعا، فما إن هدأت الحال حتَّى استؤنفَ النَّشاط العلمي في القرن التالي، فنبغ جدليون ولاهوتيون كان أعظمهم شأنا القديس أنسلم الكنتربري (Anselm)(2)، ولم يكن لدى أنسلم هؤلاء وأولئك من خيوط العِلم سوى مصادر المرحلة المتأخرة من تاريخهم، فكانت بضاعةُ اللاهوتيين منحصرةً في بضعة آراء أفلاطونية، وقد كان لهذا أثران بالغان: إذ أدَّى من ناحية إلى إثارة مسألة المعرفة، وأدى من ناحية أخرى إلى محاولة تطبيق إملاءات المنطق في معالجة المسائلِ اللَّاهوتية. ومن هنا انطلقت شرارة البحث في العلاقة بين العقل والإيمان، حتَّى إذا ما جاء القرن الثاني عشر استقرت الحياة الاجتماعية، فانتعشت التجارة والصناعة، وتقوت الحركة العلمية والأدبية، وسطع نجم عددٍ كبيرٍ من اللاهوتتين والجدلتين الذين قاموا
1 - فيلسوف من أصول أمازيغية (354 - 430 م) شب على وثنية أبيه، ثم اعتنق المسيحية بعد أن تأثر شديد التأثر بكتابات أفلاطون، وضع أساس مذهب القضاء والقدر وحرية الإرادة في اللاهوت الغربي. (ينظر: سعيد عاشور، أوروبا العصور الوسطى،
(2/ 154 - 155
-
2 - أنسلم الكنتربري (1033) - (1109 م) رئيس أساقفة كنتر بري، كان له دور في الصراع بين البابوية ومملكة إنكلترا، وقد خضع لتأثير أوغسطين، لكنَّه أراد أن يضع إمكاناته العقليَّة كافَّةً في خدمة الدين، والبحث عن برهان عقلي خالص يُثبت بوساطته وجودَ الله والحقائق الإيمانية، فألف في بداية أمره كتاب (مناجاة النفس) عرضَ فيه ثلاثةَ أدلَّةٍ على وجود الله. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
110