مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١١١

المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته

بدراسة الآداب اليونانية واللاتينية، على أنَّ أهم ظاهرة لدينا في هذا القرن هي اتصال الغرب بالشرق ونقلُ الكُتُب من العربيَّة إلى اللاتينية، ثُمَّ أخذ مفعول الكُتُب الفلسفية والعلمية تلك بالسريان في أوصال المدارس والجامعات، ودار التفكير الفلسفي واللاهوتي حول أرسطو، فأيَّده لفيف من العلماء، بينما فضَّل آخرون أن يكونوا خصومًا له، واختار الباقون الوقوف على الحياد. ثمَّ بزغ نجم توما الإكويني Thomas Aquinas)) فقد أنشأ الأرسطوطاليسية المسيحيَّة ليُعارض بها المذهب الأوغسطيني الذي كان سائدا بلا منازع، كما وُجد كذلك من تمسك بتأويلات ابن رشد لآراء أرسطو، فقامت المدرسةُ الرُّشديَّة على سوقها، إلى حين ظهور عاصفة الإصلاح الديني في القرن الرابع عشر). إنَّ لقاء أوروبا المباغت في العصر الوسيط بالمدارس الفلسفية والجامعات العلمية كشف النقاب عن مآلات الفكرِ الكَنَسِي، فصار الموقف المعلنُ أقل حدَّةً في تغييب دور العقل، وأكثر نزوعًا إلى التَّأمل الشخصي، وعمَّ الانشغالُ بالتَّعدُّديَّة النسبية للحقيقة، ومقدرة الإنسان العقليَّة على تمييز العقيدة الصحيحة، فحصل نوع جدل بين العقل الجديد والإيمان القديم، ظهر بصورة كبيرة

الإكويني

في كتابات الفيلسوفين ألبرت ماغنوس (Albertus Magnus)(3) وتوما ألبرت ماغنوس

الإكويني في القرن الثالث عشر، فقد نقروا في العلم المادي مُبدين اهتمامًا عميقا به فتصدَّى لهما اللاهوتيون التَّقليديون واعترضوا على منهجهما، لكنهما أصرًا على مواصلة الدرب ومسايرة ركب العلم ()، ولا غرابة في تذبذب التَّفكير العام في العصر الوسيط بين هذا وذاك، لكن يبقى مشهد الدين والتدين هو السَّائد والمتربع على الجو العام). لقد كان من العزف على أوتار المستحيل أن تجد في مُستهلّ العصور الوسطى شخصا ملحدًا، ولم يمضِ

1 - لاهوتي كاثوليكي إيطالي (1225 - 1274 م) من أكبر فلاسفة العصور الوسطى، يُلقب بـ (الدكتور الملائكي)، بلغت مصنفاته (98) مصنفًا، يصل بعضها إلى ثلاثة آلاف صفحة. يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).

2 - يُنظر: يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط، ص (11 - 13).

- يُعرف بألبرت الكبير (1206 - 1280 م درس الفلسفة الأرسطيَّة، وبرهن على عدم تناقض الفلسفة مع الدين، وكان يستند في تعاليمه الدينية إلى دراسات واسعة في العلوم الكيميائية والفيزيقية، وهو أستاذ توما الإكويني. يُنظر: الموسوعة العربية الميسرة،

(1/ 405

4 - لمزيد تفصيل؛ يُنظر: ريتشارد تارناس، آلام العقل الغربي، ص (129 - 206).

ه - يُنظر: ولتر ستيس الدين والعقل الحديث، ص 23.

111