مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١١٢مناجزة الإلحاد
وقت طويل على ذلك حتّى ظهرت للعيان قرون بعض الحركات الهرطقية - البدعة الاعتقادية - والهرطقة غير الإلحاد بالتأكيد، إلا أنَّها كانت تُعامل - تقريبًا - كمعاملة الردة والإلحاد؛ حيث أُبيد عشرات الآلاف من الناس بسببها، فقد كان لا يتسامح إطلاقًا مع المهرطقين، رغم أنَّ قد بعضهم
نحا - تقيَّةً - إلى الجانب الإصلاحي كالفيلسوف الألماني نيكولاس كوزا نيكولاس كوزا
(Nicholas Koza)) إذ طوَّر فهما خاصا للإيمان يُمكن أن يُقال عنه بأنَّه
هرطقة ومروق عن الاهوت الكنسي، وقد أُطلق عليه اسم (الجهل الحكيم)، وهو الاعتقاد بأنَّ كفاءة اللغة وكفاءة العقل الإنساني عاجزتان عن التعاطي مع هذا الإله الكامل اللامتناهي، ومن ثُمَّ فعلينا أن نُؤمن وكفى، وأن نُعطي القديسين ثقتنا الكاملة والعمياء"). وقريب من هذا ما أسَّسَ له بعضُ اللاهوتيين من أنَّ المفاهيم البشرية عن الله ليست إفاداتٍ عن وقائع، وإنَّما مجرَّد مفاهيم بشريَّة؛ أي إننا نعرف أن نتحدث عن الله حينما تتعثر لغتنا وتفشل. لقد ارتأت الكنيسة عدم استخدام كلمة (الإلحاد) قبل القرن السادس عشر، ففي فرنسا بالتحديد ظهر أوَّلُ استخدام لكلمة (ملحد) في القرن السادس عشر (3)؛ أي بعد العصر الوسيط، وفضلت الكنيسة استخدام ألفاظ الهرطقة والمروق والخروج عن الدين والفضيلة. ومن الطبيعي أن تنتشر الكثير من تلك الهرطقات كالقول بقدم العالم، ورفض عقيدة التثليث، وإنكار العشاء الرباني، والهجوم على عقيدة الخطيئة الأولى، والشَّك في مريم العذراء، ونفي الطبيعة البشرية للمسيح، بل إنَّ المهرطقين المنتمين إلى القرن الحادي عشر كانوا نُشَاكًا مُسالمينَ زاهدينَ أنَّ في حين المهرطقين في القرن الذي تلاه كانوا يميلون إلى تغيير العالم وإصلاح الكنائس ويجنحون إلى العنف (4).
لربما كان التَّفوقُ الحضاري للمسلمين في تلك الحقبة قد ولد نوعًا من التشكيك الديني في نفوس الأوروبيين خصوصًا في القرن الثالث عشر - أي في نهايات العصر الأوروبي الوسيط - لأن مفعول المقارنات دائما ما يكون ساحرًا وجاذبًا، بل إنَّ "المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء
1 - لاهوتي وفيلسوف وفلكي ورياضي ألماني (1401 - 1464 م) كان من أوائل الداعمين للنهضة الحضارية في ألمانيا، له العديد من الكتابات والمؤلفات التي يدور أغلبها في فلك التصوف والروحانيات.
2 - يُنظر: عدنان إبراهيم، مطرقة البرهان، ص (49). وللمزيد يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص (19 - 31). 3 - يُنظر: زينب عبد العزيز، الإلحاد وأسبابه، ص 8.
- يُنظر: رمسيس عوض، الهرطقة في الغرب، ص 119.
112