مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١١٣

المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته

بالغالب“ كما يقول ابن خلدون، فظهر القول بنفي الطَّبيعة الإلهية عن المسيح، ونفي التثليث والصلب والخطيئة الأولى وما شابه ذلك من الأقوال التى تراها الكنيسة هرطقة ومروقًا، وكلُّها كما هو معلوم أقوال وعقائد يتبناها المسلمون.

وإذا كنا قد اعتدنا على رؤيةِ النّزعاتِ الإلحاديَّةِ والتَّشككيَّةِ تنهمر من سماء الفلاسفة فإِنَّنا لم نر من فلاسفة القرون الوسطى نزعاتٍ إلحاديَّة مطلقًا، بل إنَّ كثيرًا منهم كانوا لاهوتيين وكُهانا وقساوسة، ثمَّ إنَّ العصور الوسطى الأوروبية بما لاح منها من بصيص نور وعلم وفكرٍ لم تُقبل على مثل هذه النزعات؛ ولذا لم نجد أثرًا لها ولم نرصد شيئًا يستحق الذكر، فالجميع يتفق على أنَّ القضيَّة هي مجرَّد هرطقات متناثرة، لا تقترب من أسوار قضيَّة الوجود الإلهي، وإذا تتبعنا قائمة المتهمين بالهرطقة في العصر الأوروبي الوسيط لما وجدنا واحدًا منهم أنكر الوجود الإلهي (؟)؛ ولهذا يقرر جيمس كوليز هذه الحقيقة صراحةً بقوله: "صحيح أنَّ كلمة ملحد … أُطلقت على الآباء المسيحيين الأوائل … غير أنَّ استخدام هذه الكلمة في مثل تلك المواقف لم يكن مناسبًا؛ لأنَّها تتعلق بمسألة النزاع بين التصورات المختلفة عن الله ولا تنطوي على إنكار تام للإله (3). نافذة على العهد القديم

لم يفت بعض الباحثين ممَّن كتبوا عن الجذور التاريخيَّة للإلحاد أن يستشهدوا بنصوص تاريخيَّةٍ قديمةٍ كنصوص العهد القديم؛ ليُدلّلوا بها على وجودِ ظاهرة الإلحادِ منذ قدم البشرية، وليبرهنوا بها على أنَّ الإلحاد ليس بدءًا من الأمر، وليس شذوذًا ولا دخولًا عَرَضيًّا في صفحات تاريخ البشر، ففي العهد القديم وبالتحديد في المزمور الرابع عشر من سفر المزامير جاء التأكيد على وجودِ الإلحادِ بقوله: "قال الجاهل في قلبه: ليس إله. فسدوا ورجسوا بأفعالهم، ليس من يعمل صلاحًا). وفي الحقيقة فإنَّ الاستشهاد بهذا النَّص لا يحسم القضيَّة، فالنَّص لم يُحدّد من هو الإله وهل نفيه هو نفي لوجوده المطلق، أم نفي لإله مُعيَّن دون آخر، أم أنَّ نفيه كان وفق تصور مخصوص للإله الذي يعتقده النافي؟!

1 - ابن خلدون، المقدمة، ص 184.

2 - من أراد الاطلاع على ملابسات الهرطقة وتفاصيلها؛ يُراجع (جيم. ولتر، الهرطقة في المسيحية). ملحوظة: نجد أنَّ فولتير ينصُّ على أنَّ الإلحاد في الأساس جاء بدوافع من الاهوت الأوروبي، وأنَّ الفلسفة. هي المانع الذي يقف ضد الإلحاد.

3 - جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 336.

4 - مزامير داوود، المزمور الرابع عشر، ص 424.

113