مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١١٥المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
إطلالة
على المجتمعات البدائية
رغم الزخم الحضاري المتنامي، والتقدم المتوالي الذي شهده العالم؛ فإِنَّ جغرافيات معينة وبيئات محددة لسبب أو لآخر نأت بنفسها بعيدًا، فلم تشهد مع الآخرين عرس التقدم العالمي، وقطعت الأواصر معهم، فانعزلت واعتزلت المشهد. هذه المجتمعات ما زال وجودها باقيًا على استحياء، وقد سبكت تسميتها من قبل المتخصصين فأطلقوا عليها اسم (المجتمعات البدائية)، وعنوا بها تلك المجتمعات الإنسانية التي لم تَعرف الثَّقافة المكتوبة، فتنتقل فيها التقاليد والأعرافُ والقيم والاعتقادات من الأجيال السَّابقة إلى الأجيال اللاحقة بالطرق الشفوية. كما يُستخدم مصطلح المجتمع البدائي) للدَّلالة على المجتمع الإنساني الذي ينعدم فيه استخدام المنجزات التقنية في مجالات الحياة المختلفة؛ بسبب تخلف الوسائل الفنية، وعدم المقدرة على تطوير الأدوات).
في المجتمع البدائي تقام الطقوس والشَّعائر الدينية، وتُقدَّمُ القرابين لأرواح الأجداد، وتُمارس عبادة الأسلاف، ويُشكّلُ الإحساس بمراقبة الآلهة للممارسات الاجتماعية الحصن الذي يحمي النظام الاجتماعي من الضعف والتَّشتت، فعدم تقديم الهدايا يسبب غضب الآلهة التي يُمكن أن تحرم القادرين على العطاء من الخيرات المتاحة بين أيديهم، وقد يُصبحون بسبب بُخلهم في حاجة ماسة إليها، ولهذا السبب فإنَّ البخل والشُّح هما من أكبر الكبائر في بنية هذا التنظيم"). إذن؛ فعلى ما يبدو فإنَّ الثَّقافة المهيمنة على المجتمعات البدائية هي الثقافة الدينية الروحية، والتفكير بوجودِ الآلهة والأرواح وما وراء الطبيعة، فهل من مسار غير هذا المسار الديني تُغيّر رياحُهُ الدَّفَّةَ إلى اتجاه غير مرسوم بخطوط الآلهة العريضة؟! يبادرنا ول ديورانت بالإجابة سريعًا فيقول: "بعض الشُّعوب - فيما يبدو - ليس لهم ديانة على الإطلاق، فبعض قبائل الأقزام في إفريقية لم يكن لهم عقيدة أو شعائر دينية يُقيمونها بحيث يراها المشاهدون، ولم يكن لهم طوطمٌ ولا أصنام ولا آلهة، وكانوا يدفنونَ موتاهم بغير احتفال، فإذا فرغوا من دفنهم لم
1 - يُنظر: الموسوعة العربية العالمية. 2 - يُنظر: المرجع السابق، (763/ 4).
???