مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١١٧المبحث الثاني: بوادر الإلحاد وإرهاصاته
وقد خصص أستاذ الأنثروبولوجيا أشلي مونتاغيو مبحثًا مستقلًا في كتابه (البدائية) عن نظرة الغرب الأوروبي للمجتمعات البدائيَّةِ الأفريقية، وأجاد في توصيفها وتحليلها وتفنيدها، وأوضح عدم موضوعيتها وعدم دقتها فيما يخص كثيرًا من الأقاويل، ومن بينها القول بأنهم لا
يدينون بدين (1).
كما أكد عالم الأنثروبولوجيا الألماني ويلهلم سميدت في كتابه (مجموعة لغات أستراليا)، وكتابه (مكانة الأقزام في تاريخ تطور الإنسان، أنَّ الأقزام يُثبتون وجود إله واحد خالق ومهيمن. وفي الدراسات الأنثروبولوجية التي قام بها عالِمُ الأنثروبولوجيا الإسكتلندي أندرو لانج حول قبائل وسط أفريقيَّة؛ تَبيَّن أنَّ هذه القبائل تُؤمن بوجود الإله. ومثل هذه النتائج تكررت عند لفيف
من علماء الأنثروبولوجيا مثل: إدوين أوليفر جيمس وفريدريك شيلنج وغيرهم). وفي كتابه (تاريخ ما قبل التاريخ يقول المؤرخ عبدالله حسين: "وهناك جماعات بدائية لم تُدرك الفكرة الإلهيَّة على صورة واضحة فتعددت آلهتها ووظيفة كل إله منها، وشملت الأشباح وجثث الموتى وأنواع الحيوان، وما في السماء وما على الأرض … منتهيةً من هذا كله إلى أنَّ هناك قوَّةً أو قوى مجهولةً أو سلطاتٍ لا حدَّ لها تتحكّم في حياة البشر» (3). فالصورة غير الواضحة لصفات الإله وكيفية عبادته عند البدائيين كان يتقدَّمُها ذلك الاعتقاد الواضح بوجوده. وإجمالُ القول: الدراسات المتخصّصَةُ أثبتت تدين الشُّعوب البدائية واعتقادها بوجودِ الإله، ومن الخطأ الاعتماد على أقوالِ الرَّحالةِ لعدم دقتها، فحال البدائيين في أستراليا هو ذاته عند الإسكيمو والهنود الحمر (5)، وهذه الشُّعوب البدائية قد طالتها أقلام الرحالة المهترئة الشَّئِفة، فمن خلال ما كتبوه تم اتهامها تعسفًا وحيفًا بالإلحادِ وعدم الإيمان بالإله، مع أنَّ "مفهوم الإله الخالق الكلي القدرة يُوجد عند أكثر شعوب الأرض بدائيَّةً، وربَّما كان وجوده يُفسر بما كان يُسمى في ذلك الحين بـ (برهان العِلَل النهائية وهو استنتاج عقلي لدى الإنسان البدائي الذي يعتقد بأنَّه لا بُدَّ من أن يكونَ العالَمُ المحيط به مخلوقا من قِبل كائن أعظم (6).
1 - يُنظر: أشلي مونتاغيو، البدائية، ص (201 - 220).
- يُراجع: عمرو شريف الإلحاد مشكلة نفسية، ص (78 - 79). 3 - عبدالله حسين، تاريخ ما قبل التاريخ، ص 90.
4 - يُنظر: هوستن سميث، أديان العالم، ص (536 - 554).
ه - يُنظر: ب رأوين الحضارات الهندية في أمريكا، ص (18) وما بعدها. 6 - يُنظر: إ. إيفنز - برتشارد، الأناسة المجتمعية، ص (189).
117