مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا

أولا:

الطَّور العلمي

كان الوضع العلمي بين فكي كماشة في العصور الأوروبية الوسطى، وحاله بين الصعود تارةً والهبوط تارةً أخرى كفرسي رهان، وقد لاح له بريقُ النَّشاط والازدهار في أواخر العصر الوسيط، وبلغ الذروة في القرن الثالث عشر منه، لكنَّ ثقافة الخرافات والتنجيم والعرافة لم تزل مسيطرةً على النَّاس مستحوذةً على اهتماماتهم، ولم يكن النَّفَسُ العلمي موجودًا إلا في أوساط مجموعةٍ يسيرة من المفكرين والمثقفين الذين كانوا يعتمدون على المنهج الأرسطي. وحدث الانقلاب الفصليُّ في النَّظرة العلمية الأوروبية، فاستبدل المنهج الأرسطي وحلَّ محلَّه المنهج التجريبي في القرن الرابع عشر؛ ولكن هذا المنهج الجديد لم يكن واضح المعالم بعد، ولم يُقدَّم إلى ساحة الفكر بشكل متكامل، فظهرت من حينها غيوم الاضطراب الفكري في الأجواء الأوروبية، ونبتت في أراضيها حركة فكريَّةٌ شكاكةٌ شجعت على النَّظرة نيكول الأورسمي التجريبية الميكانيكية، فشهدت عقيدة سطحية الأرض في القرن الرابع عشر على يد القسيس الباريسي نيكول الأورسمي (Nicole Oresme) مخالفة خجولة)، كما ظفر وليم أوكام (Ockham)(2) بسبق تاريخي بعدما قرر أنَّ التجربة المُحسَّة وحدها القادرة على تشكيل أساس للمعرفة، وأنَّ أيّ شيءٍ يتجاوز الحس سيظل بعيدا عن متناول الإدراك العقلي، وليس ثمة جسر يربط بين العقل ووحي السَّماء! إذن؛ فقد كشر المنهج وليم أوكام التجريبي عن أنيابه، وتجلَّى أوَّل ما تجلى في ميادين الطب، فعندما انتشرت الأمراضُ التى لم يقل فيها الأقدمون شيئًا، أو لم يجدوا لها علاجا ناجعا؛ بدأ الأطباء

1 - يُنظر: ريتشارد تارناس، آلام العقل الغربي، ص 240.

2 - فيلسوف ولاهوتي إنجليزي (1284) - 1347 م) من أبرز مفكري القرن الرابع عشر وأكثرهم تأثيرا، يُرجع بعضهم سبب شهرته إلى نقده للفلسفة، وهو من وضع ما يُسمَّى بـ (نصل أوكام)، ويعني الاقتصاد في اختيار عدد الفرضيات العلمية التي تُفسّر الظاهرة الطبيعية. (يُنظر: جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، ص 734).

129