مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٣٥

المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا

تجريبي، بل سيتعدى الأمرُ ذلك إلى القول بأنَّ الله موجود في القوانين الطبيعية، وأنَّ هذه القوانين هي نشاط الله أو أنَّها الإله نفسه في عقيدة تتساوق تماما مع عقيدة الحلول! وبهذا فإنَّ أكبر خطأ فلسفي ارتكبه نيوتن هو البرهنة على الله وفق مسرب تجريبي ضيق؛ مما يعني نتيجةً خائبة ورهانا خاسرًا للقضيَّة برمتها، فبمجرد عدم توفر الأدلة التَّجريبية الكافية التي تُؤكد هذا الأمر ستتلاشى قضيَّة (الله) بشكل تدريجي، وبمجرد سد الثغرات التي اصطنعها منهج نيوتن ستكون النتيجة مخيبة لنيوتن نفسه قبل أي شخص آخر!! ويتجلى خطأ منهجية نيوتن هذه - فلسفيا - في ثلاثة أمور: - الشعي إلى اختزال سبيل ترسيخ الوجود الإلهي في التَّفسير الطبيعي للظواهر الكونية. - تقليص حجم الوجود الإلهي في الفجوات العلمية التي لم يحن بعد موعد الإجابة عنها. - العمل على تدعيم نمط آلية الكون الذاتية التي كادت أن تصل إلى الكمال النهائي. والحصيفُ الفَهِم يُدرِك ما لهذه المنهجية من عواقب كئيبة وبائسة، ويُمكن فهم موقف نيوتن هذا كردة فعل مناهضة لعقيدة (الله السر) التي تتبناها الكنيسة، فالكون الذي خلقه الله العدم يقطع باستحالة التوصل إلى معرفة الله من خلاله - حسَب نظرتهم - وكان نيوتن يرى أنَّ مثل هذه العقيدة ستؤدي لاحقا إلى رفض وجود الله أساسا إذ إنَّ العقل الحديث - المتحرّر والمنفلت عن عقاله - لن يقتنع بحقائق مبهمة في نطاق السرية والغموض، وبالفعل فقد تم لنيوتن ما أراد، فكثير من العلماء مالوا فلسفيًا إلى منهجه فأضحت معرفة الله ممكنةً علميًّا بعد أن كانت مستحيلةً ومتسامية.

من

بدا من المعقول إذن؛ أنَّ الرَّب ترك الكون - بعد الانتهاء من خلقه - يعمل بالآلية الميكانيكية التي ابتدعها نيوتن؛ أي إِنَّ الرَّب هَمَّ بالمغادرة بعد أن انتهى من تنفيذ مهمة الخلق، ونأى بنفسه بعيدا عن الانخراط في تسيير أموره، فالكون يُعالج نفسه بنفسه - كالجسم الحي الذي يُلملم جراحاته النازفة بنفسه - ولا يحتاج إلى تدخُلاتٍ خارجيَّة؛ ولذلك انقض بعضُ اللاهوتيين على نيوتن في حَلْبَة الانتقاد ليُوسعوه اتهامًا وتضليلا، فهو من نسف العناية الإلهية - حسب ظنهم - وجعل الجاذبية تقوم مقامها.

تبنى كثير من علماء اللاهوت هذا المنهج النيوتني، وظهرت - بعد نيوتن - ملامح اكتشافات

135