مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٣٧المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
الأمر بنفسها ذاتيا. جدير بالذكر أنَّ لابلاس لم يكن معاديًا للدين، لكنه كان يسير وفق منهجية تتلاقى مع منهجية هيوم وكانت بخلاف تلك المنهجية التي لمعت في ذهن جاليليو ونيوتن، وقد تجلى هذا الأمر في زيارة نابليون بونابرت له، فقد بدا لنابليون أن يسأله متعجبًا من عظمة الكون: "من صنع هذا؟! " فأجابه لابلاس: "لا حاجة لي بهذه الفرضية). إنَّه لا سبيل تشارلز لايل إلى إدراك النظام الكوني من خلال مرآة اللاهوت الكنسي أو من خلال منصة الاستدلال العقلي، فقد غام أفقهما وأدجنث سماؤهما بعد هذه الكشوفات العلميَّة، وإنَّما السَّبيل القويم هو الالتزام بمنهج علمي تجريبي دقيق وصارم). فارتسمت على محيَّا القارة العجوز على إثر ذلك ملامح
مسارين شگلا مفترق طرق؛ فمسار سار على النهج النيوتني، وقد وجد عند اللاهوتيين أرضًا هَيْعَةً رحبة، ومسار لابلاسي مخالف ومناكف له، ويبدو تشارلز داروين أنَّ المسار الأخير قد انتزع الطابع العلمي التجريبي من بين يدي المسار الأول الذي توشّح بالطابع الديني لاعتبارات أهمها: القبول اللاهوتي - غير المطلق بطبيعة الحال - في السير على خُطاه. ثمَّ جاء وقت تدشين اكتشاف علمي آخر؛ فعُمر قشرة الأرض في الحقيقة أقدم بكثير من المدَّة التي زعمها الكتاب المقدَّس - (6000) إلى (7500) سنة - فقد نشر عالم الجيولوجيا تشارلز لايل (Lyell) (3) في عام (1830 م) هذه الحقيقة المدوية في كتابه (مبادئ الجيولوجيا)، لكنَّه لم يتعرض إلى اللاهوت بشكل سافر مع أنَّه كان يكره الكتاب المقدس كُرها شديدًا؛ بدليل عباراته اللاذعة التي يصفه فيها بأوصافٍ من قبيل: (التعاليم القديمة)، و (التعاليم البالية) ونحوها. ولم يقف الأمرُ. عند هذا الحد، فقد هتفت كتابات تشارلز داروين (Darwin) انتصارًا لمبدأ النشوء والارتقاء، الطبيعي، وقرّرت أنَّ الكائنات الحية - بما فيها الإنسان - قد تطورت عبر آلية الاصطفاء الطبيعي، وأنه لا حاجة إلى افتراض وجود تدخل إلهي مباشر، كما
- يُراجع: ولتر ستيس، الدين والعقل الحديث، ص 108. 2 - يُنظر: کرين برنتون تشكيل العقل الحديث، ص 88.
(2)
3 - محام وعالم إنجليزي (1797) - (1875 م) يُعدُّ أوّل عالم جيولوجي أوروبي في زمانه، وقد كان صديقًا مقربًا لتشارلز داروين، حاز لقب (فارس الجمعية الملكيَّة)، ويُعتبر كتابه (مبادئ (الجيولوجيا أشهر أعماله على الإطلاق.
4 - عالم طبيعي إنجليزي (1809) - (1882 م) اكتشف أنَّ الانتخاب هو حجر الزاوية في توليد الشلالات النافعة التي تتولاها الأسباب الطبيعية، فوضع كتابه في أصل الأنواع، ومنذ عام (1859 م) تراءت له فكرة تطبيق مذهبه على النوع الإنساني، وفي هذا الشَّأن وضع كتابه (تعبير الانفعالات) عام (1872 م). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
137