مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٣٨مناجزة الإلحاد
لا معنى لتميز الإنسان ومركزيَّته، فهو مجرد حلقة من حلقات مسلسل التطور شأنه فيها كشأن الحيوانات الأخرى، وما نصوص الكتاب المقدَّس في الخلق المستقل إلا كمن يركب العشوة ويخبط الليل، هذا بالرغم من تعرُّض كُتب اللاهوت في الوقت ذاته إلى ذكر كيفية خلق بعض الكائنات وخروجها التلقائي من الأرض والبحار، وكذا تعرضها لذكر تلك الكيفية التي تشير إلى الخلق غير المستقل بعد أن حملت الحيوانات في الفلك المشحون، فكلُّ ذلك لم يشفع لها
فيما يبدو!
جريجور
لقد تم ربط العِلم التَّجريبي بقضايا الإيمان كتراكمات على المنهج
حجم
الحاجة
النيوتني الآلي؛ فأيُّ اكتشاف جديد سيقلص حتمًا إلى افتراض وجود إله إلى أن يصل به إلى نقطة التلاشي والعدم! إنَّ موجة إلحادية مندفعة قدمت لاحقًا على إثر نظرية التطور، وبدأت بالانتشار في أنحاء أوروبا انتشار النار في الهشيم، فلم يمنع قبول بعض مندل اللاهوتيين للنظرية من الحيلولة دون تفجر صراع بين العلم والدين، فأي افتراضات لاهوتية لها علاقة بكيفية إدارة الإله للعالم قد ترسبت في قيعانها الاعتراضات المدعومة بالشَّواهد الجديدة، فالإنسان إحدى بنيات إبداعات الطبيعة وليس مخلوقاً سماويًا أو خليفة على الأرض، ويجب أن تفهم حياته بوصفها مصادفةً طبيعيَّةً خرجت من رحم تطورات المادة الحيَّة وتقلباتها، ولا توجد ضمانات تجريبية تحفظ مصيره النهائي من الانقراض كباقي إخوته الذين قضت الطبيعة عليهم طاويةً صحيفتهم!! ثم ألقى علمُ الوراثة بظلاله هو الآخر، فقد أثبت الرَّاهب النمساوي الشَّهير جريجور مندل (Mendel)(1) انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء تلقائيا حسب قوانين وراثية معينة، ثم تطور الأمر لاحقا على يد الهولندي هوجو دي فريس Hugo de Vries)، إذ أثبت وجود صفات تنتقل إلى الأبناء قد لا يمتلكها الأبوان، وتبع ذلك ظهور الاكتشافات الحديثة المبهرة كاكتشاف الجينات والشفرات الوراثية والحمض النووي (DNA) والتي أسهمت في تقوية الزعم المفترض
هوجو دي فريس
1 - عالم نمساوي وقس كاثوليكي (1822) - (1884 م) وضع قوانين الوراثة الحديثة المعروفة بـ (المندلية)، وقد رفضت أعماله في البداية ثم لاقت قبولًا واسعًا بعد ذلك. (يُنظر: الموسوعة العربية الميسرة، 6/ 3227).
2 - عالم نبات هولندي (1848) - (1935 م وعضو الجمعية الملكيَّة، وضع مفهوم (الطفرة الوراثية)، من أعماله الكتابية: (نظرية الطفرة)، و (تربية النباتات)، و (الأنواع والأصناف).
138