مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٣٩المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
سيجموند فرويد
بعدم وجود الحاجة إلى الإله الذي يُدير الحياة ويخلق ويصور كما يشاء، فهناك من يقوم بهذه الوظائف على مستوى الكائنات الحية، ولا حاجة إلى أي افتراض غيبي! ثُمَّ شهد مجالُ النَّفس نقلة نوعيَّةً تمثلت في موقف عالم النفس الشهير سيجموند فرويد (Freud)) الذي تأثر كثيرا بفلسفة فويرباخ، فقرّر أن يتَّخذ من المادية شرعةً ومنهاجا، وعلى ضوء قراره هذا فإنَّه لم يُصبح ملحدًا بناءً على تحليلاته النَّفسيَّة، بل أصبح مُحلّلًا نفسيًّا بناءً على إلحاده)!! إِنَّ فرويد قد وظف تحليلاته النَّفسيَّة في دعم قراره الإلحادي، فبشر بغلبة صوت العقل في المستقبل على صوت الدين، وزعم أنَّ الدين مرضُ طفولي ناتج عن العجز والخوف، فالطفل يحتاج إلى حماية، ومن هنا نشأ الدين والإله لسدّ هذه الحاجة ولردم هذه الهوة! كما نفى فرويد وجود الفطرة الإلهيَّة، وجعل من عُقدة (أوديب) التي تُرافق الطفل وعقدة (إليكترا) التي تُرافق الطفلة سببًا لانبثاق الضمير من أعماق النفس البشرية، فما الدين والأخلاق والتقاليد إلا رياح عابرة تصدر من هاتين العُقدتين، وما الأديان سوى عاداتٍ منبثقة عن الكبت الجنسي!! ثمَّ وسع القانون الثاني للديناميكا الحرارية - كما أُريد تطويعه أيديولوجيا - إطار فرضيَّة
عن
العبث والعشوائية وعدم الغائيَّة، فالفرد ينتهي عند الموت المادي، والحياة طارئة وناتجة الصدفة والعشوائيَّة، فهذا القانون يُصوّر الكونَ ككتلةٍ متحركة تلقائيا من النظام إلى الفوضى والموت الحراري، وعليه؛ فإنَّ بيئة الإنسان ليست سوى أحوال طبيعيَّة، وما من خطة إلهية تُعطي الأمن لهذه البيئة المهدّدة في أي لحظة بالموت الحراري ثم جاءت فرضيات علميَّةٌ أُخرى لتُعمّق مفهومي العشوائية والعبثية - حسَبَ التَّوجيه الأيديولوجي لها - كالقول بالأكوان المتوازية والكون المتذبذب، فنظرية الأكوان المتوازية تقترح وجود أكوان أُخرى بالتَّوازي مع كوننا الحالي، مما يعني حسب المفهوم المادي عدم أهمية كوننا مقارنةً بالأكوان الأخرى، فيما تزعم نظرية الكون المتذبذب بأنَّ الأكوان ينشأ بعضها من بعض منذ الأزل في سلسلة متواصلةٍ لا نهائيَّة؛ ممَّا يُشير إلى عدم غائية وجودنا، وأنَّه مجرد عبور طبيعي في سلسلة قد تنتهي بالانقراض المباغت!
1 - طبيب أعصاب نمساوي ومؤسسسُ التَّحليل النفسي (1856 - 1939 م) كانت نشأته وتربيته يهودية تقليدية، في حين كانت مُربيته كاثوليكية متشددة، وقد انعكست هذه الازدواجية في دراساته حول الدين (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 2 - يُنظر: کارن آرمنسترونغ، الله لماذا، ص 394.
139