مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٤٠

مناجزة الإلحاد

على

رياح موجهةً سلفًا تميل بشماريخ العلم

غدت العلوم الوضعية تميل إلى خدمة الموضوعيَّة بعد أن كانت مشرئبةً إلى خدمة المفاهيم الكنسية، فقد تعاطت هذه العلوم منذ القرن السادس عشر الميلادي كبسولات الاستقلال المنهجي الصحي إلى أن كُتِبَ لها الشفاء من أعراض المصاهرة الكنسية بمعاونة من مادتها الطبيعية المتدفقة بغزارة، فاتّسع نطاق بحثها، واستطاعت أن تخضع المعارف لمنهجها القائم اللحظ والمقارنة والاستنباط؛ لمعرفة نواميس الكون الثابتة بالدلائل التجريبية. ومنذ أن كانت الفلسفة العقلية تقوم على البرهان والاستدلال المنطقي، وكانت الفلسفة الدينية عند آباء النَّصرانية تقوم على الإيمان والوجدان والمشاعر؛ انقدحت شرارة الصدام بين الفلسفتين، فقد غدا الدين لمن يُؤمن به نعمةً عظيمةً من بها الله على الإنسان ليهتدي بيسر وسهولة بتسليمه القلبي له، أمَّا اتباع منهج البحث العقلي فإضافةً إلى عُسره فإنَّه بالنسبة إلى المؤمن يُعد مغامرة محفوفةً بمنزلقات الضَّلال والزَّيغ عن هدي الرسل؛ لذلك لا مجال للبحث عن المعقولية النظرية في الأمور الدينية مادامت ترتبط بالتسليم القلبي فقط)، هذ كله كان وفق التصور الديني الكنسي!

لقد حَمِي وطيسُ الخصومة بين العِلم والدين في القرون الوسطى تحت سياط الكنيسة واشتدَّ ضربُها، وثار نقعها فبلغ سيلُها الرُّبى، فإنَّك لا تعثر في تاريخ الأديان كلّها على تاريخ يُشابه تاريخ مذاهب اللاهوت الكنسي في قيامها حربًا للعِلم أزمانًا طوالًا، فقد قامت لدى اللاهوتيين فكرةٌ ثابتةٌ في أنَّ العِلم لا يجب مطلقًا أن يُدلي بشيء فيه أقل مخالفة لظاهر ما جاءت به الأسفار المقدَّسة، ولستَ تعلم لماذا يكون هذا لزاما على العلماء والفلاسفة مع أنَّ طبيعة الدين النصراني لا تسع هذا ولا تدعو إليه؛ إذ إنَّ وظيفته في الواقع وظيفة اجتماعية إرشادية لا تعليمية، ولكن شاءت عقولُ اللاهوتيين أن تكون وظيفته تعليمية، فنشأت الخصومة بين الدين والعلم، وكم من لاهوتي ظهر في القرون الوسطى حاول أن يُثبت أنَّ الدين لا شأن له بالعِلم، وأنَّ وظيفته تنحصر في أن يعرف النَّاس طريقة الخلاص في الآخرة لا حركات الأجرام السماوية ولا تكوين الأرض كيف يكون! ولكن المذاهب الشائعة في اللاهوت لم تكن تترك لأمثال هؤلاء مجالا (2)، وسواء أقلنا بأنَّ العِلم لا يتصادم مع حقيقة الدين النَّصراني ونصوصه وإنَّما يتصادم مع

- يُراجع: الحسين أخدوش، جدلية الديني والكوني، ص (14 - 15). 2 - يُنظر: أندرو ديكسون وايت، بين العلم والدين، ص 19.

140