مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٤١المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
اللاهوت الكنسي أم قلنا بخلاف ذلك فإنَّ واقع الحال قد آل إلى هذا الصدام في تلك الحقبة التاريخية، وترسخت مفاهيمه في الأجيال الأوروبية التي تلته جيلا بعد جيل!
على جميع
لم يظهر العلم كعامل رئيس في حياة الناس واعتقاداتهم إلا في القرن الثامن عشر، ولم يصل في الواقع إلى جماهير الناس إلا في الأجيال الأخيرة، لقد بدأ العلم في تغيير كثير من الأفكار الأصعدة، وكتب له النَّجاحُ بشكل منقطع النظير)، فقد طمس الخرافات بغض النظر عن كونها ذات سند ديني أو مجرد تهريجات وجمجماتٍ جادت بها القريحةُ التَّخيليَّة للبشر! لقد كان سبب الجنون والصَّرع - عند عامة النَّاس - هو تلاعب الأرواح الشريرة بالبشر، والحمى والصُّداع كان أساسهما السحر والشعوذة، والخسوف والكسوف كانا بسبب موت بشر عظيم، والمذنبات علامة شؤم سيقع … !! قضى العلم على الأسباب الخرافية هذه بعد أن كشف الستار عن الأسباب الطَّبيعيّة، ولا شكّ أنَّنا إن أتينا على الكشوفات وقمنا بتحليل مفعولها السلبي على قضايا الإيمان لوجدنا قياساتٍ تبوء بالفشل، فإنَّ اكتشاف الجاذبية - مثلًا - لا يُؤثر على إيمان الفرد بأنَّ الله يتصرّف في الكون وفق سننه وقوانينه التي وضعها بحسبان، واكتشاف دوران الأرض وعدم ثباتها لا يهدم إيمان الفرد بأنَّ لها غاية، واكتشاف أصل الكائنات وكيفية نشوئها لا يُؤثر في مساق الإيمان بأنَّ لها خالقًا، والآلية التي يعمل الكون من خلالها لا تستدعي بالضَّرورة العلمية أو العقلية تخلي الله عن العناية به، كما أنَّ مبدأ الغائية لا يُمكن نكرانه أو نفيه بالعلم التجريبي
يثير الكاتب الأمريكي أندرو ديكسون وايت زوبعة من التساؤلات بهذا الصدد: فلو صح أنَّ بين الدين والعلم عداءً وصراعًا فكيف لم ينته هذا الصراع - الذي ظل قائما بينهما لخمسة وعشرين قرنا - بأن يصرع أحدهما الآخر؟! وهل خمسة وعشرون قرنا غير كافية لكي تُنهي المعركة وتنصر فريقًا على آخر؟! الحقيقة هي ألَّا صراع بين العلم والدين، ولهذا ظلَّ الدين باقيًا وظلَّ العلم باقيا؛ لأنَّهما مظهر من مظاهر الفكر الإنساني، ولكن إذا اعتقدنا هذا؛ فبأي شيءٍ نُعلّل ذلك التاريخ الحافل برجال الدين الذين سعوا إلى كتم أنفاس العلم؟! وبأي شيء سوف تعلل ذلك الصراع الذي سيحاول فيه رجال العلم أن يخفتوا صوت الدين في المستقبل؟! إنَّنا إذا اعتقدنا أنَّ الصراع لم يقم بين الدين والعلم على اعتبار أنَّ الدين شيء مستمد من طبيعة
- يُراجع: برتراند راسل، أثر العلم في المجتمع، ص (19 - 40).
141