مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٤٢مناجزة الإلحاد
الإنسان، وعلى اعتبار أنَّ العلم شيء مستمد من القوَّة العاقلة التي خُص بها الإنسان، واعتقدنا أنَّ الصراع قام في الواقع بين اللاهوت الكنسي والعلم التجريبي؛ استطعنا أن نُعلّل حوادث التاريخ، بل واستطعنا أن نظهر على شيءٍ مما سوف يقع في المستقبل، فهل يُمكن للإنسان أن يكون بلا عقل ليكون بلا علم؟! وهل يمكن أن يكون بلا وازع من فوق عقليته ليكون بلا دين؟! وهل يُمكن أن يكون بلا تأمل في الناحيتين ليكون بلا فلسفة؟! هذا مستحيل! مستحيل على الإنسان أن يُلغي عقله، أو يلغي وازِعَه، أو يُلغي تأمله في حقائق الأشياء). لقد أغرقت النَّظرةُ اللَّاهوتية الفكر الأوروبي بسيل من المعارف المنحرفة على حساب المعرفة الحقيقيَّة، وأخذ اللاهوتُ على عاتقه إفهامَ النَّاس بأنَّ كلَّ الظواهر مردُّها المباشر إلى الله، وكأنَّ الأسباب الطبيعية التي وضعها الله غير معترف بها، ولا يمكن احتطابها في حبل الاهوت!! وبعد تقدم العلوم واكتشاف الأسباب الطَّبيعية حدث التصادمُ والتَّعارض بين تعاليم عشَّشت في الأذهان والاكتشافات العلمية الحديثة، فصار الجمع بين الصدين
اللاهوت التي متعذرًا في العقلية الأوروبية! إنَّ قضايا الإيمان الأصيلة والتي ينهدم الإيمانُ لولاها ليست محل دراسة تجريبية، نعم؛ قد تُوجد قضايا إيمانية فرعيَّة يلج إليها المتعلمون من نافذة التجريب، إلا أنَّ أساس الإيمان مبني على الغيب المبرهن عليه عقليًا ومنطقيًا لا تجريبيًّا، لننظر - على سبيل المثال - إلى قضيَّة وجود
الله، فكل حدث تجريبي لا يستطيع البتّ فيها فضلا عن أن يهدم أركانها! فلا غرو أن تكون مثل هذه القضايا الرئيسة غير قابلة للحسم التَّجريبي مهما بلغ العلم من التَّطور والازدهار، وأما الاعتقاد بأنَّ مثل هذه الكشوفات تخالف الدين ونصوصه فذلك مساق آخر يندرج تحت رايات مختلفة يحمل كل دين، لواءَها فلئن أوهم الكهنوتُ الناس بأنَّ المفاهيم التي كان يتبناها هي حقائق إلهيَّة فاقعة فيجب أن تُنسف تلك المفاهيم بعينها - عند ثبوتِ بطلانها - لا أن تقتحم أسورة لا يجب الارتقاء إليها أصلا كوجود الله وخالقيته، فموضع العلة يُداوى بقدره وإلا لاعتل البدنُ بأسره. ولنا هنا موقف نرى فيه أنَّ قضيَّة الإيمان بوجود الله قضيَّةٌ مختلفة عن الدين وعن العلم التجريبي، فلئن سلَّمنا جدلًا بأنَّ العلم يتصادم مع الأديان بأسرها، فإنَّ قضيَّة وجود تسبق الاعتقاد بالدين؛ لأنَّها قضيَّةٌ وجوديَّةٌ بحتة، إنَّها ضرورةً عقلية دونها الجنون، وحتميَّةٌ
الله
1 - يُنظر: أندرو ديكسون وايت، بين العلم والدين، ص (10) - (18). هذا؛ وينصُّ عالِمُ الكيمياء الفرنسي اللاأدري كلود آليغر على أنَّ الدين والعلم يمكن أن يتعايشا حتَّى في الأدمغة الأكثر تألقا. (ينظر: حميد زنار، في نشأة الكون والحياة والإنسان، ص 23).
142