مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أ

أوروبا

منطقية لا فرار من قبضتها، وفطرةٌ عالميَّةٌ متجذرةٌ في النُّفوس، إنَّ هذه القضيَّة لها خصوصيَّةٌ منهجية مختلفة لا يُؤتى إليها إلا من بابها. إنَّ المذهب الميكانيكي الذي شيَّده نيوتن علميًّا كان بنفسه قريبًا من فكرة المذهب المادي الذي سعى منذ القدم إلى تفسير الظواهر تفسيرًا آليا بعيدا عن الآلهة والشياطين، وقد أصبح جانب من هذه الآلية الميكانيكية حديثَ خرافة بفضل التَّقدُّم العلمي وظهور النسبية وميكانيكا الكم؛ فتفسيرات الظواهر الطبيعيَّة وصياغات قوانينها عُرضةً للتغير والانسلاخ، فقوانين نيوتن - مثلًا - كانت عُرضةً للتَّغير والشلل النصفي؛ إذ تم تطبيقها على الشرعات الضعيفة فقط بعد أن كانت شاملةً وواسعة النطاق، ومعادل الجاذبية تناقص خلال العقد الماضي بنسبة (1،3 %). وسرعة الضوء تناقصت معدلاتها بين عامي (1926 - 1945 م بما يقارب (10 كيلو مترات)، وما يقرب من (20) كيلو مترا) لاحقًا، كل ذلك من أجل موازنة المعادلات الفيزيائية الجديدة، وهنا نقطة تحول في قضيَّة إسناد الكشوفات العلميَّة إلى النواحي الدينية، فالعلم من صفاته التَّطور والتبدل والتَّحول، وهذه الصفات إن ألصقت بأي دين فإنَّها تقتله سريريًا.

لقد

اضطلع العلم بخدمة جليلة استغلها الفلاسفة الماديون استغلالا ماگرا، فقد كانوا يعانون

من صعوبات مادية في البرهنة على نتائج فلسفتهم، والفلسفة كجزء من العلوم الإنسانية التي تأثرت في مجملها بالعلوم التجريبية مال روادها الماديون إلى تفسير ما تم الكشف عنه تجريبيا تفسيرًا ماديا يخدم الوجهة الفلسفية الشخصيَّة، وقد أدى هذا النمط المنهجي إلى بلوغ العلوم الإنسانية منزلةً أقل من المنزلة التي نالتها العلوم الطبيعية مع أنَّ اختلاف المجالين هو اختلاف نوع لا اختلاف درجة. ففيما يخص قضيَّة (مركزية الأرض والإنسان) فإنَّ أساس المشكل في هذه القضيَّة أمران؛ الأول: ما طرحه الاهوتُ الأوروبي من الاعتقاد بمركزية الأرض. والثَّاني: ما طرحه اللاهوت الأوروبي من الاعتقاد بمركزية الإنسان المتمثلة في عقيدة الخلاص؛ حيث إِنَّ المسيح بُعث ليخلّص العالم من الخطيئة، والعالم الذي كان مشهودًا آنذاك هو عالمهم الضَّيق فقط، وعندما ظهرت العوالم الجديدة واتَّضح أنَّها مأهولة بالسكان، بل وظهر أنَّ الأرض بأكملها ليست سوى قطرة صغيرة من بحر الكون؛ انصدم النَّاسُ وبدأت الشكوك تساورهم في عقيدة الخلاص! فجاء الاعتقاد بعدم مركزية الأرض والإنسان كردة فعل فلسفية مباشرة! فمنبع هذا الإشكال هو عقيدة (الخلاص)، وعقيدة (مركزية الأرض). والعقيدة الأولى غير موجودة

1 - يُراجع: ستيفن وانبرغ، أحلام الفيزيائيين، ص 136.

143