مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٤٥المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أ
أوروبا
إذن؛ يُخبرنا عن الآليات والكيفيات، وهنا تقف صلاحياته وإمكاناته، ولئن كان الخلق المستقل يدلُّ على وجود الخالق فإنَّ الخلق عبر التَّطور لا يقل دلالةً على وجوده أيضًا!
وإذا جئنا إلى قانون علمي كالقانون الثَّاني للديناميكا الحرارية، والذي رسخ مفهوم العبثية والفوضى (الإنتروبيا)؛ لأنه يقضي بأنَّ الكون يسير بذاته نحو الفوضى والتبعثر والموت الحراري، فإنَّ هذا المفهوم في حقيقته لا علاقة تربطه تجريبيًّا بالقانون العلمي، فهو مجرد ربط فلسفي؛ أي خارج نطاق العلم التَّجريبي؛ بدليل أنَّ الفلسفة الدينية ترى أنَّ هذا القانون يقف في صفّها؛ إذ إنَّه يُؤذن بنهاية العالم كما قرَّرته الأديانُ في معتقداتها. وإذا كنا نرى الكون محافظا على اتزانه وتماسكه إلى اليوم فإنَّ ذلك يُوحي بالتدخُل الإلهي حسب رأي المستدلين بالقانون من المؤمنين، بينما يُوحي عند غير المؤمنين بوجود قوانين طبيعية غير معلومة بعد تقوم بحفظ توازن الكون وتماسكه وبهذا يتم مرَّةً أخرى تكرار الخطأ المنهجي في التعامل مع العلوم، فالملاحدة يتمسكون بـ (فجوات (العلم دون شعور منهم، وبعض المؤمنين يتمسكون بـ (إله الفجوات) دون
شعور منهم!
بعد هذه الجولة التي جابت أروقة أهم المنعرجات العلمية عبر التاريخ الحديث والتي خدمت النمط المادي الإلحادي وأمدَّته بالعُدَّة اللازمة التي يتدرّعُ بها - بغض الطرف عن كونها خدمةً حقيقيَّةً أم مجرد سراب بقيعة يحسبه الإلحادُ ماءً - نستطيع أن نقول بأنَّ المنهج الآلي الذي فجر نيوتن عيونه لم يكن سائعًا وخالصًا منذ بدايته، فهو منهج مشبوك الصلة بالفلسفة الديكارتية التي تسير وفق مسربة (عقلنة الإيمان وقضاياه ومن هنا كان التفريق ضروريا بين العلم وفلسفته بين العلم والعالم بين العالم والفيلسوف بين المنهج والنَّاهج … إنَّه الخطأ المنهجي ذاته الذي حدث مع المنهج الميكانيكي الآلي، وهو الآن يُعاد تكراره وتدوير إنتاجه، وسوف ندور في الحلقة المفرغة ذاتها التي دُرنا فيها لقرون خلت، حتَّى إذا ما تقدم العلم ودشّن منهجًا ثالثًا جزنا الجدل من جديد إلى الحلقة المفرغة، وهكذا دواليك!!
= فإنَّ مذهب نشوء وانقراض الأحياء … يرجع إلى أسباب ثانوية ليتفق أكثر مع ما نعرف من قوانين طبعها الخالق على المادة“. ويقول: "إنَّ هناك جمالا وجلالا في هذه النظرة عن الحياة بقواها العديدة التي نفخها الخالق لأوّل مرة في عدد قليل من الصور أو في صورة واحدة“. (يُنظر: تشارلز داروين، أصل الأنواع، ص 504، ص 509، ص 510).
145