مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٤٧

المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا

ثانيا:

الطَّور الفلسفي

روجر بيكون

كان العلم والفلسفة كتوأمين سياميين؛ لا فرق بينهما عند الإطلاق، فهما يسعيان معا إلى فهم الكون وظواهره، فلا تعجب إن علمت بأنَّ أشهر كُتُب نيوتن (المبادئ الرياضية للفلسفة الطَّبيعيَّة) كان المقصود من مصطلح (الفلسفة الطَّبيعيَّة) فيه هو الفيزياء والكيمياء، وهو ما يدلُّ على أنَّ الفلسفة والعلم الطبيعي شقيقان ورديفان، ثم انفصل كلُّ واحدٍ منهما عن الآخر، فأصبح التَّجريب علمًا مستقلا يغترف مادته من مورد مختلف عن مورد الفلسفة، وبالرغم من هذه الجفوة فقد ظل البحث هذه الجفوة فقد ظل البحثُ الفلسفي محتفظًا بوجاهته؛ إذ قرر الفيلسوف روجر بيكون (Roger Bacon)) تحويل طريقة تناول العلم والمعرفة تحويلا جذريًا؛ وذلك بتطبيق الطرق الفنية الرياضية والتجريبية في دراسة الفلسفة واللاهوت (3). ودأب من بعده الفيلسوف فرانسيس بيكون (Francis Bacon)(3) على توجيه النقد إلى أرسطو وأتباع منهجه؛ بسبب مبالغتهم في التعويل على الاستنتاج المعرفي، كما أنه عد فرانسيس بيكون العلل الغائية والصوريَّة مُفسدةً للفلسفة الطَّبيعية، وقد رأى أنَّ الضرورة

تقتضي نبذ أي لاهوت طبيعي بوصفه جمعًا للأضداد ومزاوجةً زائفةً بين الطبيعة والإيمان، فاللاهوت مجاله الإيمان، والعلم مجاله الطبيعة، ويجب تحريره من شرنقة التصورات الدينية، وأنَّ اللاهوت والعلم سيزدهران ما بقيا على انفراد، وقد أوضح بيكون تصوره عن الإنسان كسيد للواقع ومهيمن على الطبيعة، وشكلت نظرته الأخيرة هذه منعطَفًا لمسيرة الفلسفة الأوروبية،

1 - فيلسوف إنجليزي (1220 - 1292 م) من أبرز مفكري العصور الوسطى، ورائد العلم التجريبي الحديث، نبغ منذ الصغر فتعلم الرياضيات والفلك والبصريات والكيمياء واللغات، كما اهتم بتعلم السحر والتنجيم، كان له اطلاع واسع على كتب أرسطو وشراحه، فأفاد من كتب ابن سينا والحسن بن الهيثم وابن رشد. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).

2 - يُنظر: علي الجابري، فلسفة العلوم، ص (122). 3 - فيلسوف وعالم حقوق وأديب إنجليزي (1516 - 1626 م) كان ملتزما بتعاليم الكنيسة الأنغليكانية، وكانت مؤلفاته نتاج روح حرةٍ وفكر وقاد، ومنه كان الفصل بين المعرفة والإيمان الديني، وبين الكنيسة والدولة. (ينظر: الموسوعة العربية العالمية).

147