مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٤٨مناجزة الإلحاد
وبهذا يكون فرانسيس بيكون قد نافح عن التَّجربة بعدّها المصدر الوحيد للمعرفة الصحيحة؛ ممَّا وجه العقلية الأوروبية إلى العلم التجريبي ورفض الافتراضات التقليدية، ومن ثُمَّ غدا البحث الميتافيزيقي لا يقدم أساسًا صحيحًا للبت في قضايا الوجود الإلهي، بل لا سبيل إلى هذه القضايا إلا الكتاب المقدَّس، أمَّا الدراسات الفلسفية للطَّبيعة فهي لا تساند أي استدلال على وجود الله أو عنايته (2).
أزمة شك مقلقة لبدت سماءَ أوروبا بعد التحولات في مجال العلوم الطبيعية، اكتشافات غير متوقعة على أصعدة مختلفة تبعثُ الحيرة من مرقدها، وسلسلة انهيارات للمؤسسات والتقاليد الثقافية، ومرجعيات خارجية لم تعد قابلة للثقة والائتمان وعدم يقين إبستمولوجي جرَّاءَ
رينيه ديكارت حشد الفلسفات القديمة وإحيائها حواس خادعة، وبنية طبيعية غير متناغمة بالضرورة مع عمليات العقل، ونسبيَّةُ الحقائق وهشاشتها … لقد
عاشر الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (Descartes)(3) هذا المناخ وتلاقح معه، فانطلق من الشَّك كخطوة ضرورية لتمحيص كل شيءٍ بما في ذلك التقاليد الدينية، وذلَّلَ الطَّريقَ لمبدأ الاختلاف الذي سيؤول إلى الصدام لاحقًا بين عالمي الوحي والعلم، وعالمي الروح والمادة، فالقضايا الدينية برأيه ليست علميَّةً ولا فلسفية، وبهذا يكون ديكارت قد دشن العصور الحديثة
بفصل نهائي ومطلق بين الدين والعلم مستخلصًا بذلك النتيجة المترتبة عن الثورة الكوبرنيكية القاضية بحتمية الفصل بينهما، فلم يكن ديكارت يروم بحث الأمور الدينية عندما تطرق إلى البرهنة على وجود الله - كما يرى بعض الباحثين - بل سعى فقط إلى إقناع غير المؤمنين، والغرض الحقيقي من تأملاته كان هو البحث عن تأسيس العلم الحديث وليس شيئًا آخر، لكنه أسهم بتأكيده الثنائيَّة والقطبية بين المادة المفكرة والمادة الممتدة) في تحرير العالم المادي العقائد اللاهوتية التقليدية، وبيَّن أنَّ العالم الطبيعي مليء بالأدلة على وجود الله كنتيجة
1 - يُنظر: ستيوارت هامبشر، عصر العقل، ص (16 - 29). وحبيب الشاروني، فلسفة فرانسيس بيكون، ص (36 - 101). 2 - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 141. - فيلسوف وعالم رياضي فرنسي (1596 - 1650 م) تأثر بشكل كبير بالإمام أبي حامد الغزالي، من أهم أعماله: (مقال في المنهج)، و (تأملات في الفلسفة الأولى)، و (مبادئ في الفلسفة). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
- يُراجع: مهدي فضل الله، فلسفة ديكارت ومنهجه، ص (118 - 129).
148