مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٤٩المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
جون لوك
استنبطها لاحقًا الفيلسوفُ جون لوك (Locke)، وبناءً عليه؛ دعت فلسفةُ لوك إلى إتاحة استخدام العقل المتحرّر لاكتشاف الحقائق، ونفت في الآن ذاته وجود أي افتقار إلى التنزيل أو الطقوس أو الصَّلوات، فليس ثُمَّة شيء في العقل يُرشد إلى معرفة لم تنبع من الحواس، فالمعارف لا بُدَّ أن تكون مستندةً إلى التَّجربة الحسيَّة، ولم يكن جون لوك يُؤمن بالأفكار أو المعارف الفطريّة الخالصة، فالإنسان يُولد بلا فطرةٍ، يُولد كصفحة بيضاء تقوم التَّجربة الحسيَّةُ بتحبيرها، ويظهر جليًّا أنَّ فلسفة جون لوك قد فَصَلَت بين العالم الطبيعي والإله المتمايز عنها، وعليه؛ فإنَّه سيُبحث عن هذا الإله من خلال العالم الطبيعي خلافا لما طرحه الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال من عقيدةٍ حلولية لا ترى جدوى من البحث عن الإله بمنظور العالم الطبيعي، فالإله مختبئ في الطبيعة وقد تقع إشكالية عقديَّةٌ كبرى إذا ما سار الاعتقاد خلافًا لفكرة الاختباء الإلهي باعتبار أن الحجج على الوجود الإلهي ستصبح ولن يكون للفلسفة أي حطّ فيها، وسيأتي زمان يطلب فيه المرء أن تكون حجج الوجود الإلهي كحجج وجود الأشياء الطبيعية سواء بسواء! لقد كانت هذه تحليلات باسكالية لمشكلة تنبأ بوقوعها، فقال: "لن أغفر لديكارت فعلته، فقد كان يسعى في كل فلسفته إلى أن يستغني عن الرب". “. أخذا في الحسبان أن فلسفة باسكال بعمومها لا تمنح العقل والحس أي جزء من مساحات الإيمان الشَّاسعة، فالإيمان عنده لا يكون إلا بالقلب أو بالركائز الفطرية فقط (2)، وقد سبقت هذه النظرات تاريخيًا بحركة العودة إلى الأفلاطونية التي أرجعت العجلة مرَّةً أُخرى إلى فكرة إمكان تحصيل المعرفة بأشياء سماوية، وأصبح يُنظر إلى العالم نظرةً مشابهةً للفيض
الأفلاطوني (3).
طبيعيةً
1 - فيلسوف إنجليزي (1632 - 1704 م) يُعدُّ كتابه (محاولة في الفهم البشري من أهم المؤلفات الفلسفية في التاريخ، واستغرق منه هذا الكتاب (18) عامًا، كان يعتبر نفسه مسيحيًّا صالحًا. (يُنظر: جورج طرابيشي، معجم ا الفلاسفة، ص 598 - 599). 2 - يُنظر: بليز باسكال، خواطر، ص 89 - 100). وفيما يخص موقف لوك من الأفكار الفطرية فيبدو أنه اعترف ضمنا بوجودها وإن كان قد صرح بإنكارها، وأسماها بـ (الأفكار التمثيلية)، وهي عبارة عن وجود نماذج لحقائق الأشياء في عقولنا تُقاس عليها أفكارنا، فيعرف خطؤها من صوابها. يُنظر: أحمد توفيق حجازي، الوعي الروحي، ص 295)
- للاطلاع المفصل: جمال سيد أحمد شلبي، دور الفلسفة في إرساء قواعد المنهج العلمي.
149