مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٥٠مناجزة الإلحاد
إسبينوزا
ثم استلم شعلة الفلسفة باروخ إسبينوزا (Spinoza)، فبجانب اعتقاده بوحدة الوجود (2) وإنكاره العلو الإلهي والإرادة الإلهية فقد أجمع أمره أيضًا على (عقلنة) الدين وجهر بشكوكه وبنات صدره التي كانت تحوم حول كثير من أمور ديانته اليهودية، فأصدر الحاخامات حكمًا بطرده وحرمانه كنسيا، فكان ذلك كفيلا بتبنّي إسبينوزا فكرًا علمانيا شاملا لا يمتُ إلى الأديان بصلة (3). والمتأمل يرى تضاربًا بين العقلية التي سار عليها ديكارت وإسبينوزا والتجريبية التي انتهجها جون لوك، فالعقلية الديكارتية تعتقد بإمكان توصل العقل إلى الحقائق المعرفية، بينما تختزل التجريبية المعرفة في التَّجربة الحسيَّة وحدها أي إنَّ العقل في حال غياب التجربة الحسيَّة لا يستطيع التَّوصل إلى معرفة حقيقية، بل إنَّ معرفته في هذه الحالة ستكون معرفةً زائفة لقد انبثقت عن اكتشافات نيوتن العلمية ونظريات ديكارت وإسبينوزا الفلسفية رؤية لاهوتية على أيدي فلاسفة التنوير قامت على أساس التأليه الطبيعي، وعلى أساس (علمنة) الدين، ولما كان الدينُ هو لب هذه الفلسفة وجوهرها فقد جاءت بمفاهيم جديدة ضمنت للجميع حريَّة اكتشاف الحقائق بأنفسهم، وسعت إلى ترسيخ الإيمان بوجود الله بالبرهنة العلمية الطبيعية وباستخدام الجانب العقلي فقط، فهو السبيل الوحيد إلى الحقيقة، حتَّى قال أشهر رواد هذه الفلسفة وهو الفيلسوف الفرنسي فولتير (Voltaire) : " لو أنَّ الله غير موجود لوجب اختراعه“. علما بأنَّ فولتير قد سعى في فلسفته إلى التسليم بوجود الله ولكن بمعزل عن أي عقيدة موحى بها، ووفق منهجية (لاأدريَّة) فيما يتعلق بأي سؤال يتجاوز وجود الله (). ومن بعد ذلك وسع الفيلسوف
فولتير
1 - فيلسوف هولندي (1632 - 1677 م) من أسرة يهودية أندلسية، هاجرت بعد استيلاء الملوك الكاثوليكيين في سنة (1492 م) على غرناطة، وصدور مرسوم الملك فرديناند بطرد اليهود منها، درس إسبينوزا الرياضيات والطبيعيات وشيئًا من مبادئ الطب، ثم انتقل إلى دراسة كوبرنيكوس وغاليليو وكبلر؛ مما جعله يبتعد عن اليهودية. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
2 - يُنظر: راشد المبارك، شموخ الفلسفة، ص 115. - يُنظر: ستيوارتها مبشر عصر | العقل، ص (112 - 164).
4 - فرانسوا ماري أرويه، المعروف باسم فولتير، وهو اسمه المستعار (1694) - 1778 م) فيلسوف فرنسي عاش في عصر التنوير، تم تصنيفه ضمن الكتاب الهدامين، وصدر أمر باعتقاله بسبب مؤلفاته. (ينظر: جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، ص 472). ه - يُنظر: جيمس كولينز الله في الفلسفة الحديثة، ص (210 - 213).
150