مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٥١المبحث الثالث: أطوار تخلُقِ الإلحاد في أوروبا
الفرنسي الألماني هو لباخ Holbach) الهوة بين الدين والعلم بعد أن أثقل الفلاسفة واللاهوتيون كاهلهما، فأكد هو لباخ فلسفة الحتمية المادية بوصفها الحقيقة الوحيدة القابلة للفهم، معلنًا عن عبثيَّة الإيمان الديني وسخفه في مواجهة التجربة، وأنَّ الدين وليد مخدومج لخيال الإنسان وجهله، فالجهل هو الذي يقود الإنسان إلى تفسير الظواهر غير المعلومة باستخدام الدين، وهذا يعني أنَّ الإيمان بالدين ليس فطريًّا بل هو نتاج عدم فهم الإنسان للطَّبيعة والمادة، والعلم بهذه الأمور على الحقيقة يقود إلى التضحية بالدين والقضاء عليه دون شفقة. لقد كان هو لباخ بالنسبة إلى فولتير بمثابة الخصم الحقيقي؛ لأنَّه كان يتباهى بكل عنجهية وغرور بأنَّه (العدو الشخصي للإله)، لدرجة أنَّ ديفيد هيوم تعجب من الدوغماتية الإلحادية التي كان يمارسها هولباخ؛ إذ وصل الأمر بهولباخ وجماعته إلى التصريح العلني بأنَّ
هولباخ
ديفيد هيوم
أدلة عدم وجود الله قويَّةً وواضحة بحيث لا يمكن الإيمان بوجود الله إلا في عقول المأفونين والجبناء). إنَّ كلَّ مَن استخدم عقله بحريَّةٍ سيقوده إلى الله حتما؛ لأنَّ الأدلة العلمية قد أكدت وجوده، فوجوده ضرورة علميَّةٌ لا فكاك عنها بهذا المنطق أسس كثير من فلاسفة التنوير موقفهم الإيماني، ولا شك في أنَّ مضاعفات هذه الفلسفة الدينية كانت خطيرةً على الإيمان، فقد بان عوارها لاحقًا وتكشفت عنها الحُجُب، فقضيَّة الإيمان غير خاضعة للمنهج التجريبي، ومن المجحف معاملتها بمناهج ليست من طبيعتها. عارَضَ الكثيرون هذه المنهجية الفلسفيَّة في التعامل مع قضايا الإيمان، لكن سرعة انتشارها طغت على الأصوات المعارضة، فأقدم الإسكتلندي ديفيد هيوم (David Hume)(3) على خطوة مفصلية أسقطت العقل - الذي هو مناط هذه الفلسفة الثيولوجية - عن عرشه المنيف الذي رفعه إليه فلاسفة التنوير، وقلبت مكانته رأسًا على عقب من الاعتبار والكمال إلى الاعتراف بالقصور والعجز عن الوصول إلى
1 - بول هنري هولباخ (1723) - (1789 م) فيلسوف وموسوعي ألماني - فرنسي، من أبرز فلاسفة المادية في القرن الثامن عشر، وأشد فلاسفة التنوير إنكارًا للدين وتهجما عليه. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 2 - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 318.
3 - مؤرخ واقتصادي (1711 - 1776 م) درس القانون والاقتصاد والفلسفة والأدب، نشر كتابه (رسالة في الطبيعة البشرية) عام (1739 م) ولم يلق مؤلفه هذا رواجًا وقبولا عند الناس، فتوجه إلى الكتابة في السياسة فذاع صيته، وعاد من جديد للفلسفة فكتب محاورات في الدين الطبيعي لم ينشرها في حياته تجنبًا للجدل. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).
???