مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا

هيجل

فويرباخ

من المازوت على النار، فقرّر أنَّ الدين هو واحد من تلك الموضوعات التي سيتركها النَّاسُ خلف ظهورهم مع مرور الوقت؛ بناءً على فلسفته التي يُمكن لنا أن نعتبرها حتميَّةً تقدُّميَّةً فكلما تقدَّم الفكر البشري ازداد ابتعادًا عن الدين (المقدمة)، فالإنسانُ سيرتقي تفكيره وسيبقي على الأصلح فقط؛ ومن ثُمَّ يترك ما سواه من الدين والتقاليد والموروثات (النتيجة). وقد كثر الحديثُ والجدلُ عن مكانة الدين عند هيجل، وهل أراد إلغاءه مطلقًا أم لا؟! ومع ذلك فإنَّ هيجل يقرر بأنَّ وجهة النظر الدينية تفشل في إماطة اللثام الذي يحجب طبيعة الألوهيَّة، وأنَّ هذا الدور منوط بالفلسفة وحدها، ولا يكف هيجل من التَّأمل في عبارة (موت الإله) مشيرًا إلى أنَّ الإيمان الفعال بالله قد أخذ بالتلاشي في العالم الغربي)، هذا بالرغم من أنَّ نيتشه كان يرى بأن فلسفة هيجل قد وقفت عائقًا وسدا منيعا في وجه الإلحاد، فكانت بذلك سببًا في تأخُر طلائِعه!! ثم تابع الفيلسوفُ لودفيغ فوير باخ (Feuerbach)(3) إلى حدٍ ما السير على خطى أستاذه هيجل، فأعلن بأنَّ (الله) مجرد فكرة بشريَّةٍ قام البشر بإسقاط صفاتهم الحميدة عليه؛ لذا وجَبَ التَّخلُّص منه كُليًّا!! وقد كان (الله) في نظر فوير باخ هو الفكرة الأولى، ثمَّ كان (العقل) فكرته الثَّانية، ثمَّ (الإنسان) أخيرًا، ومعنى ذلك كله هو أنَّ (الله) ليس سوى إسقاط لما على الإنسان من كيان. إنَّ العقل الديني الذي سيصل إلى ذروة الوعي الذاتي يجب أن يكون ملحدًا في نظر فوير باخ؛ لأنَّ وصول الإنسان إلى حقيقة الدين سيسفر مباشرةً عن وصوله إلى حقيقة الإنسان نفسه؛ وبالتالي استغنائه عن الإله؛ باعتباره - أي الإنسان - هو الإله الحقيقي والأوحد. ومن الجدير بالذكر أنَّ أطروحات فوير باخ قد مثلت الأساس الفلسفي والعلمي للإلحاد، فقد تأثر بها الكثيرون ممن جاؤوا من بعده، ككارل ماركس وفرويد ونيتشه، بل إنَّ بعض علماء اللاهوت الذين حاولوا إقحام أنفسهم في أتون التجديد والإصلاح تأثروا بها أيضًا، وبنوا عليها مسيرتهم في التجديد والإصلاح، فأسهموا في نهوض العلمانية في أوروبا. إنَّ التَّحليل الفلسفي لفوير باخ قد أدى إلى أنسنة (الله) باعتبار أنَّ

1 - يُراجع: فلسفة الدين مجموعة من المؤلفين، ص 105. 2 - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 329.

- لودفيغ فوير باخ (1804 - 1872 م) فيلسوف وعالم اجتماع ألماني، اشتهر بنقد المسيحية والدين عامة، وبتأثيره الحاسم في التَّطور الفكري لماركس وأنجلز. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).

153