مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٥٤

مناجزة الإلحاد

الإنسان هو الذي اخترع من صفاته وطاقاته وأبعاده ما يُشبهها على افتراض آخر هو (الله)، فالله عند فوير باخ ليس سوى انعكاس لصورة الإنسان، ومصدر الدين ليس إلا الشعور بالتَّبعية التي يكون مردها إلى الطبيعة)، لقد سعى فوير باخ إلى استئصال فكرة الله وإلى تضييق الخناق على الدين أوغست كونت وحصره داخل الإطار الإلحادي بعد أن كشف عن الطابع الوهمي للروح المطلقة التي نظر لها هيجل (2).

آرثر شوبنهاور

وهي

المرحلةُ

ثم أقدم الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت (Comte)(3) على تقسيم المراحل الفكرية التي مرَّت - وستمر - بها البشرية إلى ثلاثة أقسام، المرحلة الأولى: حيث تكون الآلهة هي العلل النهائية لجميع الظواهر، والمرحلة الثانية: حيث تحويل الآلهة إلى تجريدات ميتافيزيقية، والمرحلة الأخيرة: حيث يبتعد العقل عن كل الأمور الميتافيزيقية، وهذه المرحلة الأخيرة هي المرحلة التي تتقدَّمُ فيها العلوم التجريبية (الوضعية)، التي ستعيشها أوروبا والعالم، وتتبنى هذه الفلسفةُ منهجًا اختزاليًّا، فكل ما لا يمكن رصده لا وجودَ له ولا شكّ أنَّ نظرةً تقسيميَّةً كهذه أقرب ما تكون إلى الحتميَّةِ التَّاريخيَّة؛ تلك الحتمية التي لا تستطيع التجربة ذاتها أن تختبرها ولا أن تُبرهن عليها علميًّا، فهي ضرب من الكهانة وقراءة الفنجان إنَّ فلسفة أوغست كونت وقفت على صعيدٍ واحدٍ مع فلسفة فوير باخ، فكلتا الفلسفتين تطمحان إلى صناعة دين إنساني اجتماعي يخلو تمامًا من فكرة الإله، ويسقطها من جميع حساباته. وبمقدم الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (Schopenhauer)(4) أصبح العقل العملي - الذي أبقاه إيمانويل كانت كبرهان وحيدٍ على الوجود الإلهي - مستكينا تحت رحمته، فبعد أن افترض بأنَّ مبدأ السبب الكافي لم يعد هنالك ما لأنَّه مبدأ لا يسري إلا على الموضوعات الحسية، حاول أن يسد الطريق أمام العقل العملي

1 - يُراجع: فوير باخ، أصل الدين، ص (41 - 43).

يبرر

الاعتقاد به؛

2 - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص (343 - 344). - فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي (1798 - 1857 م) سرعان ما أصبح من المؤسسين الأوائل لعلم الاجتماع الحديث، تأثر في فلسفته الاجتماعية بمن سبقه من فلاسفة القرن الثَّامن عشر، من أهم كُتُبه: (الفلسفة الوضعيَّة). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 4 - فيلسوف التشاؤم (1788) - (1860 م) ولد في بولندا، درس الطب والفن والفلسفة، وقد حاز جائزة الجمعية الملكية للعلوم عن رسالته (حرية الإرادة من مؤلفاته: (العالم إرادة وامتثال)، و (نظرية الإبصار والألوان)، و (أساس الأخلاق). (يُنظر: الموسوعة

العربية العالمية).

154