مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا

کارل مارکس

بالإشارة إلى أنَّه لا بُدَّ من إدراك أنَّ هذا العقل يخلو من أي مضمون متميز، وأنه يجب أن يخضع للحدود العامة التي يفرضها مبدأ السبب الكافي. وبهذا يكون شوبنهاور أول فيلسوف معتبر يُشهر سيف الإلحاد الصريح على العلن، ويكفي لإثبات هذا الأمر اعتراف نيتشه بأنَّ كتابات شوبنهاور هي التي شجعته على الإلحاد، وأنَّ ما أثار إعجابه هو الطريقة التي أخذ بها شوبنهاور خلو الوجود من الألوهيَّة؛ إذ رأى بأنَّها حقيقةً جليَّةٌ ملموسة لا تحتاج إلى دفاع مفصل في عصر العلم الوضعي. لقد كان التحليل الفوير باخي - المذكور سلفا - سديدًا ووجيها في نظر كارل ماركس Marx))، ولهذا لم يكن ماركس بحاجة إلى توصيف آخر للدين والإله؛ لأنَّ التوصيف الذي أدلى به فوير باخ بدا وكأنه مكتمل ونهائي، وأنَّ ما ينقصه فقط هو أن يُترجم على أرض الواقع، وعليه؛ فلن يكون الله وجود مطلقًا في تنظيرات ماركس وتطبيقاته، وهم الإطاحة بالرأسمالية - الذي كان يحلق فوق رأسه ولا يعزب عن باله طرفة عين - يرتبط ارتباطاً شرطيا بهم الإطاحة بالله والدين في الوقت ذاته؛ فالرأسمالية هي التي جعلت الدين سلوانًا وعزاء للناس الذين يصطلون بنار ظلمها ولهيب جورها، ومن هنا وُضع الدين نفسه على طاولة الاتهام، فهو أفيون الشعوب، ولا يُمكنه أبدًا أن يتنصل من قبضة هذه الحقيقة وفيما يخص موقف ماركس من براهين وجود نجده متأهبا لمهاجمتها، زاعمًا بأنها أدلة على عدم وجوده؛ لأنَّ التَّحليل يبين أنها ليست سوى إسقاطات وهمية لأفكار الإنسان عن نفسه (3). ثمَّ من بعد ماركس جاء نيتشه (Nietzsche)(4) ليطلق صرخةً مدوّيةً جابت أصداؤها أروقة أوروبا، فقد مات إله النصرانية فعلا، فلئن كان ماركس قد مهد لموت إلهِ النَّصرانية في المستقبل فإنَّ نيتشه قرّر موته في حاضره! إنَّ الرسالة الجوهرية للإلحاد الحديث عند نيتشه ليست في إثبات الاستحالة النظرية لوجود الله، بل في

1 - جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص (364 - 365).

نيتشه

الله

2 - فيلسوف وسياسي واقتصادي ألماني (1818 - 1883 م) كان ماديًا بصورة عنيفة، رفض كل ماله صلة بالاهوت وكل ما هو فوق الحس، من أعماله: (بيان الحزب الشيوعي)، و (رأس المال)، و (مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي). (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).

3 - جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 356. - فريدريش فلهلم نيتشه (1844 - 1900 م) أُطلق عليه اسم (القسيس الصغير)، أرادته أمه قسا كأبيه، لكنَّه عدل عن ذ ذلك بعد أن فقد إيمانه في الثامنة عشرة من عمره، تميزت فلسفته بنقد الدين والمبادئ الأخلاقيَّة والنَّفعيَّة. يُنظر: الموسوعة العربية العالمية).

???