مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٥٦

مناجزة الإلحاد

سارتر

إثبات أنَّ الاعتقاد بوجود الله غير جدير بتصديق الإنسان وتأييده. لقد كان الإله قبل وقت قريب لنيتشه مجرَّد مفهوم يُبرهن عليه عقليا وعلميا، وبعد ذلك قام النهج العقلاني العلمي - بطبيعته - بتهميش هذا المفهوم، فأمسى مفهوما فارغا أشبه ما يكون بالعدم، خصوصًا وأنَّ البديل لم يكن حاضرًا بعد، فأخذ نيتشه زمام المبادرة لاستحداث البديل واختراعه، فقرر أنَّ البشر هم الآلهة، وبنى على ذلك فلسفة (السوبرمان)، فالبشر هم الحقيقة الأسمى، وهم القانون الأسنى، ويُعدُّ تحقيرًا وتسفيها للحياة أن يُؤمن الفرد بوجود إله، لقد قتلنا نحن هذا الإله، ويجب أن نكون نحن فقط الآلهة، فالاعتقاد بالله في نظر نيتشه هو إعلان حرب على الحياة وعلى الطبيعة، ويبدو أنَّ نيتشه لم يكن مستعدًا لمراجعة موقفه هذا، فهو قد وهب نفسه لهذا التصور وأوصد من دونه أبواب تصحيح المسار وطمس لأجله كل خطوط الرَّجعة؛ ابتغاء لوجه (السوبرمان)، تلك الفكرة اللعينة التي تحكمت بمجامع قلبه، وأخذت بتلابيب مخيلته. هذه النتيجة النيتشوية هي التي مال إليها لاحقا جون بول سارتر (Sartre)(2) أحد الوجوه؛ فحتى لو كان الله موجودًا حقًّا والرغبة إليه متأصلة في الوجدان البشري فإنه سيظل مجرد فكرة لتفسير ما لا يُمكن تفسيره ليس أكثر! لقد زعم سارتر بأنَّ وجود الله يُعطّل وجودَ الإنسان؛ لذا فالأفضل ألا يكون الله وجود حتَّى يكون للإنسان وجود وسارتر مع اعترافه بأنه لا ينكر وجود الله إنكارًا مطلقًا فإنَّه يعتقد بأنَّ وجود الله كان مجديا في الماضي دون الحاضر، وأنَّ العيش بدونه هو أفضل على كل حال (3)، فليس من المهم أن ندحض براهين الله كما حاول ذلك الآخرون، المهم هو أن نعتقد بأنَّ الله غير موجود حتَّى يتسنى لنا تحقيق ذواتنا. إنَّ إسقاط مفهوم (الله) من رفوف التاريخ، أو طمسه من صفحات الماضي لم يكن الهم الشاغل لفكر سارتر، وإنَّما مجرَّد إزاحته عن تفكير الإنسان وإقصائه عن وجدانه فيه الكفاية. وفي سياق آخر نشط في فيينا - تحديدًا في العام (1922 م) - فوج من العلماء والفلاسفة الذين حاولوا الانتصار للفلسفة الوضعية المنطقيَّة، وأخذوا على عاتقهم تشطيب الموضوعات الماورائية ورميها في دائرة الغيبيات التي لا يُمكن التعبير عنها علميًّا ومنطقيا؛ لأنَّها خارج سياق

وجود

1 - يُنظر: جيمس كولينز، الله في الفلسفة الحديثة، ص 375. 2 - أديب وعلم الفلسفة الوجودية (1905) - 1980 م) من أبرز الشَّخصيَّات في الحياة الفكرية في القرن العشرين، قامت فلسفته على الحريَّة، إلا أنَّ الإنسان مسؤول عن كل أعماله، ولا شيء يخرج عن إرادته سوى الموت. ينظر: الموسوعة العربية العالمية). 3 - يُراجع: حبيب الشاروني، فلسفة جان بول سارتر.