مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٥٧المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في ا
أوروبا
(الزَّمكان)، ثمَّ كُتب لهذه الفلسفة أن تقبر ويُهال عليها التراب إلى أن أعاد الفيلسوف الإنجليزي ألفريد آير Alfred Ayer) بعثها ليعود الزعم من جديد بأنَّ إثبات أي افتراض أو نفيه مرهون بالعلم التجريبي وحده، مما يعني أنَّ كلَّ قضايا الإيمان لا معنى لها بحكم عدم إمكان نفيها أو إثباتها تجريبيا. وفي الدائرة ذاتها دار ألبير كامو (Camus)) بعدما رفع الستار ألفريد آير عن فلسفته العدمية القاضية بعدم وجود معنى جوهري لحياة الإنسان، وأنَّ الموت سيقضي عليها ويُنهيها إلى الأبد، وأنَّ فكرة (الله) فكرة لا معنى لها، بل يجب أن نبتعد عنها ونصبَّ جُلَّ اهتماماتنا على العالم وحده فقط، وأنَّ البشريَّة ستظلُّ على مدى الأزمان تصارع من أجل إزالة فكرة (الله) من وعيها دون جدوى، فالمهمَّة من أساسها عبثية عدميَّة! أنتجت هذه الفلسفات لاحقًا رؤيةً (أنتروبولوجيَّةً) تختصر كينونة الإنسان في جسده، هذه الرُّؤيةُ أفرزت الرَّغبة المُلحة في قطع الأواصر مع الدين؛ لأنها تُجرد الإنسان من إنسانيته ومن قيمه ومبادئه وتمسخُ فضائله وأحلامه، وتغتال مثله وأخلاقياته، فسقطت هذه الرؤية في الاختزال المفرِط والنظر الأخزر، ولم يُكتب لها أن تستوعب الإنسان بكماله وتعددِ أبعاده. لقد بدأ الدين في النطاق الفلسفي الحديث بالتَّحول تحت تأثير العقل العلمي بعد أن احتفظ بمكانته المرموقة، فثمة دعوات فلسفية تدفع نحو دين عقلي أو طبيعي، وما إن دقت ساعة تلبية هذه الدعوات حتَّى بدأ الدين العقلي أو الطبيعي هو الآخر بفقدان الزخم الفلسفي المؤيد له، فالحجج الفلسفية التي استند إليها فلاسفة الدين العقلي والطبيعي قد دحضت يقينيتُها على يد ديفيد هيوم وإمانويل كانت مشيرين إلى استحالة الاعتماد على المحاكمات العقليَّة للانتقال من المُحسَّات إلى ما هو فوقها، وهذه المساقات قد استأصلت
ألبير كامو
1 - فيلسوف إنجليزي (1910 - 1989 م) رأى أنَّ الميتافيزيقا لا يُمكن التأكد من حقيقتها من خلال التجربة، كما أنكر بدهية الأحكام المتعلقة بالماضي، وهو يُبدي تراجعاتٍ عن نتائجه الفلسفيَّة، من مؤلفاته: (اللغة والحقيقة والمنطق) و (أسس المعرفة التجريبية). (يُنظر، عبدالرحمن بدوي، الموسوعة الفلسفية، ص 9 - 10)، و (يُنظر: الموسوعة الفلسفية المختصرة، ص 92 - 93). 2 - أديب وفيلسوف فرنسي ولد في الجزائر (1913) - 1960 م) قسم أعماله إلى مجموعتين أسماهما (حلقة التمرد)، و (حلقة العبث)، فكان بذلك أوّل من أطلق تسمية (العبث) التي وَسَمَت توجها أدبيا وفلسفيا نال شهرةً كبيرةً في خمسينات القرن العشرين، فقد تمرد كامو على آلية الحياة، ورأى أن هذه هي الحقيقة التي يفترض أن يتصدى لها الإنسان، فلا أخلاقياته ولا جهوده تجدي أمام هذا العالم العبثي. (ينظر: الموسوعة العربية العالمية).
157